قراءة في رواية «ولد الخيرية»

بقلم الأستاذ حبيب السيتيلي 
رواية «ولد الخيرية» ولعنة التسمية
I. رواية «ولد الخيرية»: جديد المؤلف ومميزاته:
1- إضافة جديدة للحقل السردي المغربي:
تشكل رواية «ولد الخيرية» باكورة الأعمال السردية للأستاذ خليل خيي، لتلتحق بركب الرواية المغربية المعاصرة التي تزداد غنىً وتنوعاً. إنها خطوة أولى في مسار إبداعي، لكنها لا تأتي خجولة أو مرتبكة، بل محمّلة بأطروحة جريئة تسعى إلى فضح أعطاب الواقع التربوي والاجتماعي المغربي. الرواية لا تقف عند حدود الحكي والتشويق، بل تنخرط في ما يُعرف بـ “الرواية الأطروحة”، حيث يصبح النص مساحةً للمرافعة والدفاع عن قضية إنسانية كبرى، هي قضية الطفولة المغربية المهمشة التي سُلبت حقوقها في الرعاية والتنشئة السليمة.
وبهذا المعنى، يضع المؤلف لبنة جديدة في صرح الأدب المغربي، ويؤكد أن الانتماء إلى هذا الحقل لا يقاس بتراكم التجارب أو بالأسبقية الزمنية، بل بقدرة النص على إثارة الأسئلة الجوهرية وفتح النقاش العمومي.
2- لعنة التسمية:
من أهم ما يميز الرواية تركيزها على أثر التسمية في تشكيل الوعي الجمعي والفردي. فـ “أولاد الخيرية” لم يكونوا مجرد نزلاء مؤسسة اجتماعية، بل حُملوا اسماً تحول إلى لعنة اجتماعية تلاحقهم حيثما ذهبوا. هذا الاسم ألصق بهم صفات النقص والعار، وصنّفهم ضمن خانة “المشوَّهين اجتماعياً” حتى وإن كانوا سليمي البنية والعقل. لقد تحوّل اللقب إلى قدر جائر، يُقصي أصحابه من دائرة الكرامة الإنسانية، ويجعلهم هدفاً للسخرية والازدراء.
بهذا المعنى، لا تحكي الرواية عن مأساة فرد واحد، بل تفضح آلية اجتماعية واسعة تُحوِّل التسمية إلى سلاح رمزي قاتل، يعمّق القهر النفسي ويمدّد دائرة العار.
3- بين الفردي والجماعي:
مع أن السرد يقوم على ضمير المتكلم العائد إلى بطل الرواية، فإن التجربة المروية لا تبقى فردية أو محصورة في ذات واحدة. “«ولد الخيرية»” يتحوّل إلى لسان حال جماعة كاملة، إذ تتجاوز معاناته حدود الذاتي لتصبح شهادة على مأساة عامة.
الغلاف وحده يكثف هذا البعد الجماعي: صورة طفل بملامح متجهمة، يتصدرها العنوان بخط أحمر فاقع يوحي بالجرح واللعنة. وحتى الخطاب المدوّن على ظهر الغلاف يرسّخ هذا الانتماء القسري، ليعلن أن “«ولد الخيرية»” وإن ابتعد عن فضاء الدار، فإن لعنة الاسم تظل محفورة في وجدانه، وترافقه أينما ارتحل، حتى في فضاءات اللعب والرياضة التي كان يُفترض أن تكون مجالاً للترويح.
II. مقاربة ثيماتيكية للرواية:
تزخر الرواية بعدة ثيمات تجعلها غنية ومفتوحة على أكثر من مستوى قراءة:
1- المظهر اللعين والوضع المهين:
منذ دخوله دار الأطفال، يُعاد تشكيل هوية “«ولد الخيرية»” من الخارج: رأس محلوق، زي موحّد، نعل مصنوع من عجلات قديمة. هذه العلامات الخارجية تكرّس إحساسه بالانتماء القسري إلى فئة منبوذة. خارج أسوار الدار، يجد نفسه محاطاً بنظرات الشفقة أو عبارات الاحتقار، وداخلها يتعرض لأبشع أنواع التعنيف الجسدي والنفسي: ضرب، إهانة، قمع يومي ممنهج. بهذا المعنى، يصبح المظهر مدخلاً إلى المهانة المستمرة، ويغدو الجسد نفسه ساحةً للقهر.
2- الشذوذ وتداعياته:
من أجرأ ما تطرقت إليه الرواية كشفها لظواهر شاذة داخل المؤسسة، حيث انتشرت ممارسات جنسية منحرفة في غياب أي مراقبة أو حماية. كما أبدعت الإدارة في إذلال الأطفال عبر تصنيفات قاسية مثل “غرفة البوالة”، التي جمعت من يعانون التبول الليلي وصبغتهم بعار إضافي. هذه الممارسات لم تكن مجرد حوادث عرضية، بل كانت جزءاً من منظومة مهينة عمّقت جراح الطفولة ودفعت الضحايا إلى صراعات نفسية مضنية.
3- الانفلات من الوضع الرهيب:
أمام هذا الواقع المظلم، بحث الأطفال عن منافذ بديلة: قراءة الروايات العالمية كـ البؤساء لفيكتور هوغو، ارتياد السينما الشعبية، الانغماس في أشكال الفرجة التقليدية التي كانت تزخر بها مدينة القنيطرة. لم تكن هذه مجرد تسليات، بل كانت استراتيجيات مقاومة تحفظ لهم بعض الكرامة وتفتح أمامهم نافذة على عوالم أخرى ممكنة.
كما لم يترددوا في ممارسة المقاومة المباشرة: تنظيم احتجاجات، المطالبة بتحسين أوضاعهم، مواجهة التواطؤ بين إدارة الدار والسلطات. ورغم تعرضهم للعنف والاعتقال، فقد أثبتوا أن “الخيرية” يمكن أن تتحوّل من فضاء قهر إلى مدرسة للنضال.
III. استخلاص
رواية «ولد الخيرية» ليست مجرد سيرة ذاتية مقنّعة، ولا حكاية معاناة شخصية، بل هي عمل روائي أطروحي، يفتح ملف الطفولة المهمشة بالمغرب بجرأة ووضوح. قوتها تكمن في غناها الحكائي وتعدد ثيماتها، مما يجعلها قابلة للقراءة من زوايا مختلفة: تربوية، اجتماعية، نفسية، حقوقية.
إنها نص يكشف ما وراء خطاب “الرعاية” الخيري/الديني، ويفضح التناقض بين الاسم والواقع، بين الشعارات البراقة والممارسات القمعية. وبذلك، تؤسس الرواية لحوار مفتوح حول معنى الإنصاف والاعتراف، وتعيد الاعتبار لجماعة لطالما ظلت في الظل، محكومة بلعنة التسمية ومرارة العار.





