كمال أكير… حين يغادر المسؤول ويبقى الأثر شاهدا على الرجال

ليست المناصب وحدها من تصنع قيمة المسؤول، ولا الكراسي هي التي تمنح أصحابها مكانة في وجدان الناس. فكم من مسؤول عبر المدن مرور العابرين، فلم يترك وراءه سوى أوراق إدارية طواها النسيان، وكم من آخر رحل، لكن سيرته بقيت حاضرة في الأذهان، تنطق بها شهادات المواطنين قبل الوثائق والتقارير.
من هذه الفئة يبرز إسم كمال أكير، الباشا السابق لمدينة أزمور، الذي غادرها قبل تعيينه كاتبا عاما بعمالة الناظور، في محطة جديدة من مسار إداري يعكس ما راكمه من تجربة، وما أبان عنه من كفاءة في تدبير الشأن المحلي، وحسن الإنصات، وقدرة على بناء جسور الثقة بين الإدارة والمواطن.
خلال فترة مسؤوليته بأزمور، لم يكن مقر الباشوية فضاءا مغلقا تحرسه البروتوكولات، بل تحول إلى فضاءا للحوار وإستقبال مختلف الفاعلين. جمعيات المجتمع المدني، والنقابات، والأحزاب السياسية، والتنسيقيات، والمواطنون البسطاء، وجدوا في المسؤول بابا مفتوحا وآذانا صاغية، في مشهد أصبح نادرا داخل الإدارة العمومية، حيث يسبق الإنصات أحيانا إتخاذ القرار، ويكون التواصل جزءا من الحل لا مجرد واجهة إدارية.
ولم يقتصر حضوره على تدبير الملفات اليومية، بل أمتد إلى ترسيخ صورة السلطة القريبة من المواطن، القائمة على إحترام القانون، والتفاعل مع القضايا المحلية بروح المسؤولية والإعتدال، وهي مقاربة جعلت كثيرا من أبناء أزمور ينظرون إلى تلك المرحلة بإعتبارها تجربة تستحق التقدير والإستحضار.
ولعل ما منح علاقته بأزمور بعدا إنسانيا خاصا، أن المدينة لم تكن غريبة عنه قبل تقلده مسؤولية باشاها، فقد أرتبط بها منذ سنوات شبابه عندما كان لاعبا لكرة اليد ضمن صفوف فريق الرابطة البيضاوية، حيث خاض مباريات عديدة أمام فريق شرف أزمور، ليعود إليها بعد سنوات، لا كلاعب في الملعب، بل كمسؤول في خدمة المدينة وساكنتها.
واليوم، وهو يلتحق بمهامه الجديدة كاتبا عاما بعمالة الناظور، تتجدد عبارات التهنئة والدعاء له بمزيد من النجاح والتوفيق، تقديرا لمسار مهني بصم على محطات أستحق فيها الإحترام، وجعل من الكفاءة والهدوء والعمل الميداني عنوانا لتجربته.
إن المسؤولين يرحلون، وتتعاقب الأسماء والمناصب، لكن ما يبقى خالدا في ذاكرة المدن ليس عدد سنوات المسؤولية، بل حجم الأثر الذي يتركه أصحابها. وتبقى أزمور، كما يقول كثير من أبنائها، مدينة لا تنسى من إحترمها، ولا من جعل خدمة مواطنيها أولوية، ولذلك سيظل إسم كمال أكير حاضرا في ذاكرة المدينة بإعتباره أحد المسؤولين الذين غادروا المنصب، لكنهم تركوا وراءهم رصيدا من التقدير والإحترام لا تصنعه المناصب، بل تصنعه المواقف.





