الواجهةمجرد رأي

كيف نحول الموسم  الى مهرجان عالمي؟

ابو نضال

و انا اغوص بالعالم الأزرق  اثار انتباهي تدوينة  لرئيس جماعة مولاي عبد الله  إقليم الجديدة مفادها بأن “الموسم الذي تسهر عليه جماعته يعتبر اكبر “فستيفال  -festival ” في العالم حيث يسجل حضورا جماهيريا  يفوق خمسة ملايين من الزوار “.

هو بالفعل نشاط ثقافي مشهور بل يأخذ صفة العالمية مما يكتب عنه خصوصا ما كتب عن اغنية مولاي عبد الله التي غناها الفنان الشعبي صاحب الوتار “السالمي” و التي يطلبها الجمهور في كل الحفلات و المهرجانات سواء داخل ارض الوطن او خارجه . و هي الاغنية التي قدمت شهرة لموسم الولي الصالح “مولاي عبد الله امغار” لكن هل الموسم اصبح مهرجانا عالميا ؟

قبل ذلك لا بد من التدقيق في مصطلحي “الموسم” و” الفستيفال” او بلغة الضاد  “المهرجان ” لا بد من جرد للتعريفات بالغوص في قواميس اللغة العربية لنصل الى تعريف يحدد النشاط الذي يقام بالجماعة الترابية لمولاي عبد الله بإقليم الجديدة. هل  يدخل في دائرة الموسم او المهرجان ؟ فحسب معجم المعاني الجامع ، فالموسم: (بفتح الميم وسكون الواو وكسر السين) جمع مواسم ، هو مجتمع الناس ، وأكثر استعماله لاجتماع الحجاج أيام الحج.  اما المهرجان فهو لفظ معرب ، و يعني عيد الخريف عند الفرس.

 و لنتعمق اكثر في  تعريف مصطلح المهرجان و دائما حسب معجم المعاني الجامع لنصل إلى:

  • المِهْرَجَانُ : احتفالُ الاعتدال الخريفى ، وهى كلمة فارسية مركبة من كلمتين : الأّولى: مِهْر، ومن معانيها الشمس، والثانية : جان ، ومن معانيها الحياة أو الروح
  • المِهْرَجَانُ :الاحتفالُ يقام ابتهاجًا بحادث سعيد ، أَو إِحياءً لذكرى عزيزة ، كمِهرجان الأَزهار ، مِهرجان الشَّباب ، ومِهرجان الجلاءِ الخ..

و عموما فالمواسم بالمغرب  تكتسي صبغة دينية  لها ارتباط  بالأولياء الذين يحظون بمكانة مهمة في المخيال الشعبي ، و تحظى أضرحتهم بقدسية ظاهرة . و يقول احد فقهاء المدارس العلمية العتيقة عن المواسم :  “هناك مواسم أصبح يطغى عليها الطابع التجاري بعدما كانت في أصلها دينية خالصة، بحيث كانت تساهم في الحفاظ على التراث الديني المحلي من خلال الحفاظ على قراءة وحفظ القرآن الكريم، و الأمداح النبوية، ونشر ثقافة إطعام الطعام”. و يضيف بأن المواسم تساهم أيضا في الوعظ و الارشاد ، وإصلاح ذات البين بل  شكلت في بعض المناطق فرصة للتصالح وتجاوز الخلافات الأسرية والقبلية قبل ظهور المحاكم في شكلها العصري. و مع مرور الزمن بدأت مجموعة من السلوكيات  المخلة بالآداب العامة ترافق المواسم و تتعارض مع الوظائف الدينية والاقتصادية والاجتماعية.”

وتحتضن المواسم الدينية كما هو الشأن بالنسبة لموسم مولاي عبد الله امغار فضاءات شعبية مختلفة الانشطة تمتزج فيها الطقوس الصوفية كترتيل القران جماعة بالمسجد المحاذي للضريح  بالإضافة  الى الأنشطة الاقتصادية  و الترفيهية كألعاب السيرك المختلفة التي  تدر ملايين السنتيمات لخزينة الجماعة.  و فنون الحلقة المختلفة الأنواع ، و نهاية بفنون الفروسية التقليدية “التبوريدة”.

و لتفسير ظاهرة المواسم علميا يقول الدكتور إبراهيم الطاهري،( باحث في التاريخ الديني والاجتماعي)  إن “المواسم الدينية تدخل في صلب التركيبة الاجتماعية لقبائل المغرب، فهي مثلها مثل العديد من الممارسات الاجتماعية التي تُمارَس داخل القبيلة وفق أعراف وتقاليد ينضبط لها الجميع داخل المجتمع”، و أن “هذه المواسم مرتبطة بالاحتفاء برجال ونساء صلحاء وأولياء لهم مكانة وحظوة اعتبارية علمية أو صوفية في المجتمع واضاف أن “هناك العديد من المواسم الدينية الشهيرة تحتل مكانة مميزة في ثقافة المجتمعات القبلية، وتدخل في صميم النمط الديني لهذه المجموعات بالإضافة الى أن “المواسم الدينية جامعة مانعة لا تُنظم لسبب واحد، وإنما لأسباب متعددة كممارسة التجارة، والتعارف قصد الزواج، والتواصل وصلة الأرحام بين العائلات والقبائل، وغيرها من الأمور. وبالتالي، فإن المواسم، إلى جانب بعدها الروحي والديني، تساهم في ترسيخ قيم التضامن والتعاون، وإذكاء الشعور بالانتماء الجماعي، والحفاظ على التقاليد المشتركة”.

إذن فالمصطلحين (الموسم و المهرجان) ليسا مرادفين  رغم انهما يلتقيان في مسألة الاحتفال . و  مصطلح الموسم مصاحب  لنشاط مرتبط بأولياء الصالحين في الغالب  كما هو الشأن بموسم مولاي عبد الله امغار. اما المهرجان فمصاحب لأنشطة  ثقافية من نفس الجنس   .

و اذا اصر السيد الرئيس على تسمية موسم مولاي عبد الله ب”الفستيفال  العالمي” فإننا نتساءل عن السبب في عدم تغيير المصطلح  و بقي اسم “التظاهرة ” موسم مولاي عبد الله امغار مند عقود ؟ لماذا لم يتقدم الرئيس بمقترح تغيير “مصطلح موسم” الى اسم مهرجان منذ راسته للجماعة  الى الان و التي وصلت عقدا من الزمن ؟  للإشارة فالمرحلة التي انتخب فيها عضوا بالجماعة شهدت  ولادة مهرجانات مغربية عالمية تستقطب الملايين و لها صيت خارج المغرب من قبيل مهرجان فاس للموسيقى الروحية . مهرجان كناوة بالصويرة . مهرجان موازين بالرباط  الى اخر لائحة المهرجانات التي أصبحت تسيرها مؤسسات قارة . فشتان بين هذه المهرجانات و موسم مولاي عبد الله امغار الذي يستقطب حضورا جماهيريا شعبيا كبيرا .  

فما مرد  الحضور الجماهير الشعبي الكبير بموسم مولاي عبد الله امغار ؟ هل هو نتيجة استقطاب بفعل  أنشطته المختلفة ؟  لا اظن ذلك بل ان السبب الحقيقي هو كون  السلطات المعنية تسمح بنصب خيام الزوار . و هذه العملية تستقطب فلول كبيرة من محبي التخييم الخلوي دون الحديث عن مخيمات أرباب الخيول المشاركة في أنشطة الفروسية و ممثلي الجماعات الترابية بالإقليم و أصحاب المشاريع التجارية.  اما عن الأنشطة المنظمة خلال أسبوع الموسم فمختلفة كما سلف الذكر أهمها تلاوة القران بالمسجد بطريقة جماعية . و الفروسية و السهرات الفنية التي كانت  تنظمها الجماعات الترابية المشاركة بالموسم و تصرف عليها بسخاء . اما  اليوم فقد أصبح متعهد يتلقى منحة من بعض المؤسسات العمومية يسهر على التنشيط الفني خلال أيام الموسم . و جماعة مولاي عبد الله تقدم الغذاء للخيول و البارود .  لكن بالمقابل تستفيد من إيرادات مهمة مقابل كراء الأمكنة للمؤسسات و الخواص كما سلف الذكر.

فالموسم عبارة عن مخيم كبير يؤثثه زوار من كل مدن المملكة و من الجالية المغربية المقيمة بالخارج يفتح لهم قبل انعقاد الموسم بأكثر من عشرة أيام . مخيم لا يستجيب لشروط التخييم باستثناء الأمن الذي تسهر عليه السلطات المحلية و الدرك الملكي و مع ذلك لا يخلو من احداث متفرقة تقع بين الفينة و الاخرى . و رواد المخيم الكبير الذي يقسم الى مخيمات يجدون مشقة في الحصول على الماء الشروب . فبالأحرى الاستحمام.  لكل هذا نتساءل : كم وضعت الجماعة من مرحاض رهن إشارة  مرتادي الفستيفال العالمي إذا كانت الغالبية العظمى تقضي حاجتها بالخلاء لتصبح الفدادين المحصودة مرحاضا جماعيا ؟  كم من حمام او رشاشة موجودة بتراب الجماعة  يستفيد منها زوار الفستيفال العالمي(5 ملايين شخص)؟ كم عدد الفنادق ودور الضيافة التي تم انشاؤها بجماعة مولاي عبد الله لفائدة زوار الفستيفال ليكون الحل هو تأجير الأهالي لمنازلهم غرفا بدون ضبط قانوني  و لا شروط صحية  ؟ كم عدد عمال النظافة الذي يوظفون أيام الفستيفال ؟ كم عدد اليات جمع النفايات التي  توضع رهن الإشارة حتى لا يتحول الفستيفال الى كارثة بيئية ؟ كم عدد السباحين المنقذين الموضوعين رهن إشارة المصطافين بالشاطئ “لمريسة” ؟ فهل تساهم الجماعة في خلق عيادة بيطرية مداومة (24/24)رهن إشارة الخيول المشاركة في عروض التبوريدة و انقاذ التي تتعرض للمرض المفاجئ كما حصل في السنة الماضية لحصان ظل يئن الى ان مات و صاحبته تبحث عن البيطري الذي لا يعمل الا أوقات العمل الرسمية ؟ هل تساهم  الجماعة في انشاء مراكز قرب لتقديم الخدمات الصحية لفائدة الخمسة ملايين زائر الذي يحجون  الى الفستيفال ؟

كان على السيد الرئيس ان يعترف بكون مشاكل عديدة تحول دون التحول من موسم الى  مهرجان . و رغم وجود أنشطة فنية يحييها كبار الفن الشعبي المغربي  و التي اكسبته شهرة كبيرة الا انه يبقى نشاطا بأدوات بدائية . فالنشاط عبارة عن سوق قروي ينعقد لمدة ثمانية أيام مسترسلة 24/24 يخلف اطنانا من النفايات الصلبة . سواء مخلفات البهائم أو مخلفات الانسان الذي يجد ضالته في قضاء حاجته بجانب أي جدار مظلم في صور تعود بنا إلى ما قبل عصر التمدن . تجد فيه البشر مكدسا نائما في الخلاء . تجد فيه حلقات عيساوة حيث  الانسان يشرب الماء الساخن حد التبخر، او يقد جسمه بسكاكين بطول السيوف ،او يمضغ الزجاج، او يحك جلده بنبتة الصبار ذات الشوك الخطير، في مشاهد لا  يمكن رؤيتها فبالأحرى تسويقها عالميا. تجد فيها سيدات بين العشرين و الأربعين يمتهن الدعارة و شبان يتجرن في المخدرات في الخفاء بعيدا عن اعين  السلطات التي تمنع هذه  الأنواع من المهن و التجارة. تجد فيها العاب الحظ التي يمارسها محترفون في النصب و الاحتيال و التدليس. تجد فيها “الشوافات” اللواتي  يعملن بجانب الضريح و كأن الدجل الذي يمارسنه مباح و يباركه دفين الضريح . تجد فيه كل أصناف التسول و بالخصوص من طرف ذوي الاحتياجات الخاصة .

نتمنى جميعا ان يرقى الموسم ليصبح مهرجانا عالميا كالمهرجان الدولي للفرس الذي تحتضنه ارض دكالة و ليس بتجمع يفتقد للبنية التحتية المناسبة و الملائمة  و تسيئ مجموعة من انشطته الى كبرياء المنطقة. و قبل ذلك فتح نقاش عمومي للإجابة على السؤال: كيف نحول الموسم  الى مهرجان عالمي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى