الواجهةمنوعات

لماذا تقبل شعوب كاملة أن تطيع رجلا واحدا؟

لماذا تقبل شعوب كاملة أن تطيع رجلا واحدا؟
هذا السؤال شغل الفيلسوف الفرنسي الشاب إتيان دو لا بويتيه
Étienne de la Boétie
في القرن السادس عشر، حين حاول فهم ظاهرة الاستبداد والبحث عن مصدر قوة الطغاة.
رأى لا بويتيه أن وجود الطغيان يحمل مفارقة واضحة. فبين الشعب والطاغية تبدو القوة في جانب الشعب. الطاغية شخص واحد، بينما الشعب يضم آلافا أو ملايين البشر. فكيف يستطيع فرد واحد أن يفرض إرادته على جماعة بهذا الحجم؟
يجيب لا بويتيه بأن الطغاة لا يحكمون لأنهم الأقوى، وإنما لأن الناس يمنحونهم القدرة على الحكم من خلال طاعتهم، ذلك أن السيطرة السياسية لا تقوم على القوة وحدها، وإنما تحتاج إلى قبول من يخضعون لها…
استمرار السلطة يحتاج إلى شكل من أشكال القبول، سواء كان هذا القبول واعيا أو نتيجة ظروف فرضها الواقع. من هنا نلمس أن لابويتيه يقدم فكرة فلسفية عميقة، يمكن أن نلخصها في أن الاستبداد لا يعيش فقط بقوة الحاكم، وإنما يستغل ضعف مقاومة المحكومين. فالسلطة تحتاج دائما إلى مشاركة غير مباشرة من الذين يخضعون لها، لأن الطاعة المستمرة تمنحها شرعية الوجود والاستمرار.
يرى لا بويتيه أن أسباب الطاعة متعددة، لكن أهمها هو الاعتياد. فالإنسان الذي يولد داخل نظام قائم على الهيمنة قد يراه أمرا طبيعيا، لأن مع مرور الزمن، يتحول القيد إلى عادة، ولا تصبح الحرية فكرة قريبة من الوعي والانشغال اليومي. الإنسان لا يفقد حريته فقط عندما تسلب منه بالقوة، وإنما قد يفقدها أيضا عندما يعتاد غيابها.
العادة تمثل قوة كبيرة تضغط على الإنسان. إنها تجعل واقع الاستبداد يبدو وكأنه الحقيقة الوحيدة الممكنة. ومن هنا تصبح مقاومة الظلم أصعب، لأن الإنسان لا يواجه سلطة خارجية فقط، بل يواجه أيضا تصوره الداخلي لما يعتبره أمرا عاديا.
كما يوضح لا بويتيه أن الطاغية لا يحكم بمفرده. فحول السلطة تتشكل شبكة من المصالح والمنافع. مجموعة صغيرة من المقربين تستفيد من النظام القائم، ثم ترتبط بها مجموعات أخرى تبحث عن النفوذ أو الامتيازات. وهكذا تتوسع دائرة السلطة من شخص واحد إلى بناء هرمي تتوزع فيه المصالح، فيصبح استمرار الحكم مرتبطا بهذه الشبكة التي تخشى فقدان مكاسبها.
بعد تحليل أسباب الخضوع، يصل لا بويتيه إلى نتيجة حاسمة: إذا استمر الإنسان في حالة العبودية، فذلك يعود جزئيا إلى قبوله بها. ولهذا تحدث عن مفهوم العبودية الطوعية، أي أن الإنسان قد يشارك في استمرار خضوعه عندما يتخلى عن إرادته في المقاومة ويستسلم للواقع المفروض عليه.
لكن الخروج من هذا الوضع يبدأ بقرار بسيط وعميق في الوقت نفسه: قرار استعادة الحرية. فالحرية ليست دائما معركة للحصول على شيء مفقود، فقد تكون أحيانا نتيجة التوقف عن منح الطغيان القوة التي يحتاج إليها.
إن الإنسان يصبح أكثر قربا من الحرية عندما يرفض أن يحول الطاعة إلى عادة، وعندما يدرك أن كرامته لا تنفصل عن قدرته على التفكير والاختيار والمساءلة.لهذا تبقى فكرة لا بويتيه حاضرة في الفكر السياسي الحديث: قوة المستبد ليست قوة ذاتية فقط، فهي تعتمد أيضا على مقدار الخضوع الذي يمنحه له الآخرون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى