
بقلم: عزيز الدروش
ماذا لو استيقظنا ذات صباح على خبر غير مألوف: زعماء الأحزاب السياسية والنقابات في المغرب أعلنوا توبتهم السياسية و الأخلاقية، اعترفوا بأخطائهم، قدّموا حساباً شفافاً عن تدبيرهم للشأن العام و المال العام، استقالوا طوعاً، وغادروا الحياة السياسية بلا صفقات خلف الكواليس ولا توريث تنظيمي ولا إعادة تدوير في مواقع أخرى؟
ماذا سيتغير في المغرب؟
أول ما سيتغير هو المناخ الأخلاقي العام. لأن السياسة، قبل أن تكون برامج وأرقاما، هي أخلاق و قيم و مبادئ ومسؤولية. يقول الله تعالى:
“وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ” (الصافات: 24).
لو استحضر الزعماء معنى المساءلة الحقيقي، لما تحولت المسؤولية إلى امتياز، ولا المنصب إلى غنيمة.
ثاني ما سيتغير هو منسوب الثقة بين المواطن والدولة. لقد تراكمت خيبات الأمل عبر عقود من الوعود الانتخابية التي تبخرت، ومن التنازلات السياسية التي تمت خارج إرادة الناخبين، ومن تحالفات هجينة لا يجمعها مشروع مجتمعي بل منطق اقتسام المواقع.
لو اعترف بعض من قادوا المشهد السياسي بفشلهم، وغادروا بإرادتهم، لأرسلوا رسالة قوية مفادها أن السياسة ليست قدراً أبدياً ولا ملكية خاصة.
ثالثاً، سيتحرر الفضاء الحزبي والنقابي من ثقافة الزعيم الأبدي. كم من حزب اختُزل في شخص واحد و وحيد ؟ وكم من نقابة تحولت إلى ضيعة انتخابية مغلقة جدا ؟
الاستقالة الطوعية عند الفشل ليست هزيمة، بل شجاعة. في الديمقراطيات الحقيقية، يغادر المسؤول عند أول إخفاق أخلاقي أو سياسي أو مالي . أما عندنا، فالفشل يُكافأ أحياناً بإعادة التعيين.
رابعاً، ستُفتح الطريق أمام جيل جديد من الكفاءات النظيفة. شباب ونساء ورجال لم تتلوث أيديهم بصفقات مشبوهة ولا بمساومات على حساب المصلحة العامة. جيل يؤمن أن السياسة التزام لا تجارة.
لكن، لنسأل بصدق:
هل يكفي رحيل الأشخاص؟
الجواب: لا.
المشكل في المغرب ليس فقط في الأفراد، بل في بنية سياسية تحتاج إلى إصلاح عميق و جريئ و قوي :
ربط المسؤولية بالمحاسبة فعلاً لا شعاراً.
تقوية المؤسسات الرقابية واستقلال القضاء.
ضمان شفافية تمويل الأحزاب والنقابات.
حماية الإرادة الشعبية من كل التفاف أو تأويل يُفرغها من مضمونها.
لو تاب الزعماء وغادروا، سنكسب خطوة أخلاقية مهمة.
لكن التغيير الحقيقي يتطلب إعادة الاعتبار للسياسة كخدمة عمومية، لا كسوق للمناصب.
إن المغرب اليوم بحاجة إلى ثورة في القيم قبل ثورة في القوانين.
بحاجة إلى نخبة تعتبر المنصب تكليفاً لا تشريفاً، ومسؤولية لا غنيمة.
بحاجة إلى ثقافة الاستقالة كما هي ثقافة الترشح.
تخيلوا فقط:
زعماء يعترفون بأخطائهم أمام الشعب، يقدمون كشفاً دقيقاً عن ممتلكاتهم قبل وبعد المسؤولية، يعتذرون عن السياسات التي أفقرت فئات واسعة، ثم ينسحبون بكرامة.
عندها سيبدأ عهد جديد.
ليس لأن الوجوه تغيرت فقط، بل لأن منطقاً كاملاً في التدبير السياسي قد انهار.
أما إذا استمرت نفس العقليات، ولو تغيرت الأسماء، فلن يتغير شيء سوى العناوين.
التوبة السياسية ليست خطاباً عاطفياً، بل ممارسة:
اعتراف، محاسبة، استقالة، وإفساح المجال.
ذلك هو المدخل الحقيقي لإحياء الأمل في وطن يستحق سياسة نظيفة بقدر ما يستحق تنمية عادلة.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى .
عزيز الدروش
محلل وفاعل سياسي.





