
مسرور المراكشي :
_ براءة حامي الدين الشجرة التي تخفي غابة الظلم القضائي :
بعض الإخوة الطيبين هللوا وكبروا و حمدلوا و شكرروا، فرحا وابتهاجا بتبرئة استئنافية فاس للمناضل حامي الدين، أنا لست ضد هذه الفرحة العارمة خصوصا و أنا من سكان البهجة عاصمة الابتسامة، لكن مهلا أيها الإخوة الطيبون لا بد من طرح هذه الأسئلة أولا، ثم تنطلق بعدها الأفراح و الزغاريد والمسرات، والتهاني و التبريكات و تنحر الجزور وتضرب الدفوف، السؤال الأول هل نحن في دولة فيها فصل السلط بشكل حقيقي…؟ السؤال الثاني هل السلطة القضائية تحديدا مستقلة فعلا عن السلطة التنفيذية؟ إذا كان الجواب بنعم عندها يحق لكم الفرح و تهنئة حامي الدين، لكن مع الأسف القضاء في هذا البلد يتم تسييسه حسب الحاجة، ليست له استقلالية حقيقة و القاضي يتبع التعليمات، و هناك تدخل ديبلوماسية الهواتف و التحكم بـ جهاز “الريموت كونترول”، والأحكام تصدر بالإدانة أو التبرئة حسب هوى السلطة التنفيذية ولو كره القضاء والرأي العام، هنا يصبح القضاء عبارة عن مسرحية هزلية بعنوان ( قاضي كاري حنكو)، لقد حدثت مجازر قضائية في الماضي وتحدث في الحاضر، و قد تحدث في المستقبل إن لم تكن هناك إرادة تغيير حقيقية، لابد من نضال مرير و صمود مع تضحيات جسام لتحقيق مبدأ فصل السلط، أنا لست منجما ولا عرافا و لا أقرأ من الفنجان بالدارجة المغربية : ( ما كنضرب الفال أو الكارطة، ما كنطرطق ألدون)، يكفي فقط إطلالة بسيطة على ما تكتبه الصحافة، عن فساد القضاء و القضاة طبعا دون تعميم، وكيف يتم إدانة المعتدى عليه و تبرئة المذنب الظالم جهارا نهارا، وكيف يتم التستر على الجناة الحقيقيين وإقبار ملفات وأدلة دامغة، لينجو كبار اللصوص و المجرمين من المتابعة و العقاب، مثلا لفراقشية و زعيم الحكومة السابق و قصته مع تزوير فواتير المحروقات، المهم احريرة القضاء في هذه البلاد احريرة جارية أو حامضة …
_ إن تسييس القضاء يجعل هذه البراءة غير “بريئة”…!! :
أن تأتي البراءة في هذا الظرف شيء جميل، مع حكومة ترأسها امرأة ولم يمض على تنصيبها شهر واحد، ربما تدخل هذه الخطوة في إطار تلميع وجه الحكومة الكالح، في رأيي سياسة التزيين و ( التنݣيف ) مستمرة، ليقول الشعب هذه بداية طيبة جميلة و مبشرة،
يقول المثل الفرنسي لوصف هذه الحالة : (c’est trop beau pour être vrai )، يقابله الدعاء الطريف من أهل مراكش النجباء، فيه تلميح و غمز من طرف خفي مع وعي سياسي راقي، هذا الدعاء خفيف مكون من ثلاث كلمات فقط، وهو كافي لنسف رواية الحكومة، بالتشكيك في مصداقية أفعالها و وعودها ، سواء تعلق الأمر بهذه البراءة أو ببرنامج فيه امتيازات مبالغ فيها وكلام معسول : ( الله يجعلني نثيق…!! )، يعني أن المراكشي غير مقتنع تماما و يشك في براءة هذه “البراءة”، ويطلب من الله أن يجعله يصدق و يثيق بها ويعينه على هضمها، طبعا الأمر لا يخلو من دعابة مراكشية مغلفة بوعي سياسي كبير، ونحن نقول : هل استعاد القضاء المغربي أخيراً استقلاليته عن السلطة التنفيذية..؟ بصيغة أخرى هل تابت الدولة من توظيف القضاء و تسييسه، لتطويع المعارضة و المعارضين وإرهابهم..؟ أم أن الأمر لا يغدو أن يكون سحابة صيف عابرة، سرعان ما تنقشع و تظهر حقيقة القضاء بلا مكياج ولا روتوشات، يحكى أن عاصفة في الصحراء باغتت قافلة من التجار، فبدأ جميع التجار يستغفرون و يتوبون من التزوير والغش والخداع، فصاح فيهم جحا واعظا و محذرا إياهم من التوبة، قائلا لهم : ( يا معشر التجار اطمئنوا لا تستعجلوا بالتوبة فإنها مجرد عاصفة سرعان ما تمر و تنقشع)، وعلى نفس المنوال أقول : ( يا معشر الإخوان لا تستعجلوا بالاحتفال إنها براءة صيف سرعان ما تمر و تنقشع)، افرحوا بمقدار و اعتدال لازال طريق استرجاع استقلالية القضاء طويلة و شاقة، أصلا لو كنا دولة حق وقانون ما كان لهذه المحاكمة أن تعاد من جديد، و مسألة إعادة فتح التحقيق بحجة ظهور مستجدات في ملف المحاكمة، ما هي إلا كذب ليست هناك مستجدات ولا يحزنون، هذه دعوة كيدية الهدف منها هو الابتزاز و إسكات المناضل حامي الدين، لقد ضغط “اصحاب الحال” على عائلة أيت الجيد لتقديم شكاية، والحقيقة أنهم نجحوا في تكبيل حامي الدين سياسيا و حقوقيا لسنوات، حيث نزل مستوى الصبيب النضالي عنده حوالي 50%، وآخر ضربة كانت هي منعه من الترشح، طبعا بطريقة غير مباشرة في العاصمة الرباط، بسبب هذه المحاكمة بل حتى مشاركته في الحملة الانتخابية كانت متوسطة إلى ضعيفه، وبعد أن نجح حزب الصاك في تشكيل الحكومة واستتب له الأمر، عندها أمروا القضاء والقاضي بمنح ( البراءة) لحامي الدين، و لعبة القط و الفأر بين القضاء المسيس والمعارضين لازالت مستمرة، حيث يتم تسييسه بين الفينة و الأخرى، لإسكات كل صوت معارض وهو ما حصل مع حامي الدين، كونوا على يقين تام أنه لن يكون هو الأخير في لائحة ضحايا تسييس القضاء …. إن الإخوان فعلا ناس طيبين وعلى نياتهم : ( ملايكة الرحمة) كما يقول العامة، والله أكاد أمسك نفسي من فرط الضحك، عندما سمعت شيوخهم بعد أن حمدوا الله و أثنوا عليه يرددون هذه الآية : ( وقل جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا)، يا ناس لا حق ظهر ولا باطل زهق هل أنتم قادمون من المريخ..!!؟، الرجوع لله ألفقيه هذه فقط مسرحية هزلية سيئة الإخراج، الحق ظاهر منذ البداية لكن لعن الله ساسه يسوسو و السياسة يابالمعطي، لقد أمسك حزب الصاك وزارة العدل انتظروا إذن”العدل” والأيام بيننا….
خلاصة :
لقد مر في تاريخ الأمة الإسلامية قضاة عظماء، هابهم السلاطين والحكام وكل ذي سلطة، لا يخافون في الله لومة لائم حكموا بالعدل، بقوا شاملة مضيئة في جبين التاريخ إلى يومنا هذا،
صدق من قال : ( العدل أساس الملك) هذا عند الدول المتقدمة، لكن في الدول المتخلفة قد تكون”الزرواطة” و المخابرات والعسكر، ثم يعم بذلك المسخ و يصيب كل السلط والمهن والمؤسسات، فقد تجد مفتيا تحت الطلب يبارك ويزكي ما تفعله السلطة، لا يسبقها بقول أو عمل عنده الحلال ما أحلته، و الحرام طبعا ما حرمته، وكل همه أن يجد حديثا أو آية توافق هوى السلطة، وقد يلوي أعناق النصوص ليا طلبا لرضى السلطة، وقس على ذلك قاضي تحت الطلب صحفي تحت الطلب ثم وزير …. أوزيد حتى لسيدي بوزيد، تنبيه واجب أنا لا أعمم هناك رجال وفي كل المهن نزهاء أمناء على درجة كبيرة من الحياد والإستقلمة… لكنهم مع الأسف الشديد قليلوا العدد والعدة محاصرين وسط بحر لجي من الفساد





