24 ساعةأخبار وطنيةالواجهةحقوق الإنسان

اليوسفية:​”وزارة الأوقاف في ذمة الوعد المؤجل: هل ترفع سيدي شيكر بإقليم اليوسفية عتبات التهميش وتستعيد أحلام قريتها الموعودة؟”

​يحتفظ التاريخ المغربي بصفحات ناصعة من الإشعاع الروحي والحضاري، حيث شكلت الزوايا والمواسم الدينية أقطاباً لجذب المريدين والعلماء من شتى بقاع العالم.

وفي قلب هذه الذاكرة، برزت قصة “ملتقى سيدي شيكر العالمي للمنتسبين إلى التصوف”، الذي وُلد كفكرة استثنائية ترعاه العناية الملكية السامية، حاملاً معه وعوداً كبرى بإعادة الاعتبار لواحدة من أهم الرموز الروحية بالمملكة، الواقعة في أحضان منطقة أحمر الأبية بإقليم اليوسفية.

غير أن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن، ليتوقف هذا الملتقى منذ زمن طويل، متحولاً من مشروع تنموي وروحي واعد إلى رمز لحسرة منطقة عانت ولا تزال تعاني من وطأة التهميش الممنهج.

​فعندما أُعلن عن انطلاقة هذا الملتقى، علقت ساكنة منطقة “سيدي شيكر” بإقليم اليوسفية آمالاً جبارة عليه، متوقعة أن يفك العزلة المجالية عن تراب قبائل أحمر ويضعها على الخريطة الدولية والسياحية والثقافية … لكن الصدمة الكبرى تتمثلت في أن الدورة الثانية للملتقى لم تُعقد في رحاب الضريح والمكان التاريخي المفترض، بل تم نقل فعالياتها إلى قاعات مدينة مراكش.

هذا التحول اللوجستي والمكاني شكل خيبة أمل حقيقية للعديد من الفاعلين والمهتمين، حيث حُرمت المنطقة الأصلية من احتضان ضيوفها العابرين للقارات، وتراجع صدى التظاهرة ليقتصر على الحواضر الكبرى، مما أجهض منذ البداية الأثر التنموي المباشر الذي كانت تحلم به الساكنة المحلية.

​ولم تتوقف خيبة الأمل عند حدود نقل فعاليات الملتقى، بل امتدت لتشمل الوعود الرسمية التي أطلقتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. ففي عز الترويج للملتقى، عُقدت آمال ضخمة على تصريحات الوزير أحمد التوفيق التي بشرت بإطلاق “قرية متكاملة في سيدي شيكر” على مساحة ثلاثمائة هكتار، تضم بنية تحتية للاستقبال، ومرافق تعليمية وعلمية، وتنقيباً أثرياً، وتوسيعاً للمسجد العتيق، فضلاً عن تهيئة مجالات لزراعة النباتات العطرية والطبية وإحياء خلوات التأمل.

​كانت هذه المشاريع لتشكل طوق نجاة تنموي واقتصادي لساكنة إقليم اليوسفية ومنطقة أحمر، غير أن تعثر الملتقى وتوقفه التام أدى بدوره إلى تجميد هذه الأوراش الكبرى، وبقيت الوعود حبيسة الأوراق واللقاءات الصحفية، دون أن يرى أتباع التصوف ولا أبناء المنطقة شيئاً من تلك المشاريع الموعودة يتحقق على أرض الواقع.

​إن توقف ملتقى سيدي شيكر يعكس إشكالاً أعمق تتعلق بتدبير التظاهرات الكبرى ذات النَفَس الروحي؛ حيث غابت استمرارية المشاريع وغابت معها الإرادة الحقيقية لتوطين التنمية في المناطق القروية والهامشية التي تحتضن هذه الجواهر التاريخية. إن اختيار ضريح سيدي شيكر بأحمر كان يفترض أن يكون مدخلاً حقيقياً لرد الاعتبار للمجال القروي ولإرث مغربي عريق يمتد لأكثر من ألف سنة.

أما ​اليوم، وأمام صمت المؤسسات وتوقف عجلات الملتقى، تجد منطقة سيدي شيكر بإقليم اليوسفية نفسها مجدداً في مواجهة قاسية مع التهميش والإقصاء. فلا الملتقى استمر ليُبقي شمعة الروح مضاءة في مكانها الأصلي، ولا الوعود التنموية لوزارة الأوقاف تحولت إلى واقع يعيد الحياة لتربة نبتت فيها أولياء الله الصالحين. إنه باختصار، حلم روحي وتنموي أجهضته إرادة الارتجال وغياب التتبع، ليظل السؤال المعلق أمام وزارة الأوقاف: متى يُرفع التهميش وتخرج المشاريع المؤجلة من دُرج النسيان لتعيد الحياة إلى ربوع سيدي شيكر؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى