همزة وصل : “أخاف على…”

تتسابقُ شِرذَمَةُ الارتزاقِ لِغَايَةٍ *** وَيَزيدُ هَمُّ الدَّارِ مَعْ أَعْدَادِهَا
أخاف على صحافتنا الإلكترونية بمدينة الجديدة، هذه الصحافة التي أصبحت اليوم جزءاً من المشهد الإعلامي المحلي، والتي يفترض أن تكون عين المواطن على ما يجري، وصوتاً للقضايا والانشغالات، ومساحة للنقاش المسؤول، ومنبراً لنقل الأخبار والمعلومات بكل مهنية وموضوعية.
أخاف على مواقعنا الإلكترونية من أن تتحول الصحافة من رسالة إلى مجرد وسيلة للظهور، ومن خدمة الخبر إلى صناعة الإثارة، ومن ممارسة حق النقد إلى تصفية الحسابات، ومن البحث عن الحقيقة إلى البحث عن المشاهدات والتفاعل ولو كان الثمن هو التضليل أو التشهير أو المساس بسمعة الآخرين.
أخاف على صحافتنا الإلكترونية من بعض الممارسات التي بدأت تسيء إلى المهنة، حين يصبح العنوان أكثر أهمية من مضمون الخبر، والإثارة أهم من الحقيقة، والسرعة أهم من التحقق، وعدد المشاهدات أهم من احترام أخلاقيات العمل الصحفي.
وأخاف أكثر على المراسلين الصحفيين الذين يشتغلون في الميدان في ظروف ليست دائماً سهلة، ويبحثون عن المعلومة ويتنقلون بين الأنشطة والمناسبات، ويحاولون نقل ما يجري إلى القارئ. هؤلاء يحتاجون إلى الاعتراف بدورهم وتأطيرهم وحمايتهم مهنياً، كما يحتاجون في المقابل إلى التكوين المستمر واحترام قواعد المهنة.
فالصحافة الإلكترونية ليست مجرد صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، وليست مجرد هاتف محمول يلتقط الصور وينشر الأخبار، وليست مجموعة من المنشورات المتفرقة. الصحافة مسؤولية، والخبر أمانة، والصورة لها سياق، والعنوان له تأثير، والكلمة قد ترفع من شأن شخص أو تسيء إلى سمعته.
أخاف على مواقعنا الإلكترونية من تسلل منطق “السبق بأي ثمن”، حيث يتم نشر معلومة قبل التحقق منها، ثم يأتي التصحيح بعد أن تكون المعلومة قد انتشرت ووصلت إلى آلاف الأشخاص. وفي زمن المنصات الرقمية، لا يكفي أن نقول: “نعتذر عن الخطأ”، لأن الضرر الذي تسببه المعلومة الخاطئة قد يكون قد وقع بالفعل.
وأخاف على صحافتنا الإلكترونية من الخلط بين النقد والتشهير، وبين المساءلة والابتزاز، وبين الجرأة والتطاول، وبين الصحافة وتصريف الحسابات الشخصية.
فالصحفي أو المراسل الذي يطرح سؤالاً محرجاً ليس مبتزاً، والصحفي الذي ينتقد مسؤولاً ليس عدواً له، والمواطن الذي يشتكي من مؤسسة لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للتشهير. لكن في المقابل، لا يجوز أن تتحول الصفة الصحفية إلى حصانة من المسؤولية أو إلى رخصة لمهاجمة الناس دون دليل.
أخاف أيضاً على الصحافة الإلكترونية من بعض الصفحات التي لا نعرف من يقف وراءها، ولا نعرف من يكتب فيها، ولا من يتحمل مسؤولية ما ينشر عليها. فالمهنية تبدأ من الوضوح: من يدير المنبر؟ من يكتب؟ من يحرر؟ من يتحمل مسؤولية النشر؟ وما هي القواعد الأخلاقية التي يلتزم بها؟
لقد أصبح بإمكان أي شخص اليوم أن ينشئ صفحة، ويختار لها اسماً يوحي بأنها مؤسسة إعلامية، ثم يبدأ في نشر الأخبار والتعليقات والصور. لكن امتلاك صفحة إلكترونية لا يعني بالضرورة امتلاك مشروع صحفي، كما أن كثرة المتابعين لا تعني بالضرورة المهنية.
أخاف على المراسلين الشرفاء من أن يضيعوا وسط هذا الزحام، وأن تتساوى في نظر الجمهور المادة الصحفية المهنية مع المنشور المجهول المصدر، وأن يصبح من يتحرى الدقة في مرتبة من ينشر الإشاعة، فقط لأن الأخير أكثر إثارة وأكثر قدرة على جذب التفاعل.
وأخاف على صحافتنا الإلكترونية من تحول بعض المنابر إلى ساحات للصراع الشخصي والسياسي والجمعوي، حيث يصبح القلم أحياناً وسيلة لتصفية الحسابات بدل أن يكون أداة للبحث عن الحقيقة.
إن الصحافة المحلية في الجديدة في حاجة اليوم إلى غربلة مهنية وأخلاقية حقيقية، لا لإقصاء أحد، وإنما للتمييز بين من اختار الصحافة مسؤولية ورسالة، وبين من يتعامل معها باعتبارها مجرد وسيلة للظهور أو الضغط أو تحقيق مصالح شخصية.
نحن لا نريد صحافة إلكترونية بلا نقد، بل نريد صحافة تنتقد بقوة، ولكن بالدليل. نريد صحافة جريئة، ولكن مسؤولة. نريد صحافة تطرح الأسئلة الصعبة، ولكن لا تصدر الأحكام قبل التحقق. نريد صحافة تكشف الاختلالات، ولكن لا تصنع الاتهامات من فراغ.
فالجرأة الحقيقية ليست في أن تكتب ما تشاء، وإنما في أن تتحمل مسؤولية ما تكتب.
والشجاعة الصحفية ليست في مهاجمة الأشخاص من خلف شاشة، وإنما في مواجهة القضايا بالحجة والوثيقة والمعلومة.
كما أن قوة المنبر الإلكتروني لا تقاس بعدد العناوين المثيرة التي ينشرها، ولا بعدد المشاهدات فقط، وإنما بمدى ثقة القارئ فيه، وبقدرته على تقديم معلومة صحيحة، وتحليل متوازن، ونقد مسؤول.
وأخاف على صحافتنا الإلكترونية من أولئك الذين يعتقدون أن مهنة الصحافة لا تحتاج إلى تكوين، وأن اللغة لا تحتاج إلى مراجعة، وأن الخبر لا يحتاج إلى مصدر، وأن الصورة يمكن نشرها دون سياق، وأن “الترند” أهم من الحقيقة.
فالصحافة الإلكترونية الحديثة تحتاج إلى مراسل يعرف كيف يبحث عن المعلومة، وكيف يتحقق منها، وكيف يكتبها، وكيف يحترم حق الرد، وكيف يميز بين الخبر والرأي، وكيف يحافظ على كرامة الأشخاص، وكيف يتعامل مع المصادر، وكيف يدرك أن وراء كل اسم وصورة وقصة إنساناً وسمعة وحقوقاً.
ولذلك، فإن الدفاع عن الصحافة الإلكترونية لا يعني الدفاع عن كل ما ينشر باسمها، وإنما يعني الدفاع عن الصحفي المهني والمراسل المسؤول والمنبر النزيه، وفي الوقت نفسه رفض كل ممارسة تسيء إلى هذه المهنة النبيلة.
نحن بحاجة إلى صحافة إلكترونية جديدة في مدينتنا؛ صحافة لا تخاف من الحقيقة، ولا تبيع الحقيقة، ولا تستخدم الحقيقة لتصفية الحسابات.
صحافة تكون فيها المهنية قبل الإثارة، والمعلومة قبل الإشاعة، والدليل قبل الاتهام، والمسؤولية قبل الشهرة.
أخاف على صحافتنا الإلكترونية، ليس من النقد، وإنما من أن تفقد ثقة الناس.
أخاف عليها من أن تتحول من سلطة للكلمة إلى سوق للتفاعل، ومن منبر للحقيقة إلى ساحة لتبادل الاتهامات.
لكنني، في الوقت نفسه، أؤمن بأن في الجديدة مراسلين وصحفيين ومنابر إلكترونية شريفة تستحق الاحترام، وأن هؤلاء هم الذين ينبغي أن يكونوا في مقدمة المشهد، لأن مستقبل الإعلام المحلي لن تصنعه كثرة الصفحات، وإنما جودة المعلومة ونزاهة القلم واحترام عقل القارئ.
أخافُ على صحافة الارتزاق من نفسها؛ فهي لا تُقدم ولا تُؤخر، لا صادقة ولا حرة، بل هي مجرد بؤر بائسة تُعيد إنتاج الرداءة وتفتقر لأبسط مقومات اللغة وضوابط النشر، مستكبرةً على النقد والتعلم، ومتمادية في العشوائية والجهل.
وفي النهاية، يبقى السؤال:
هل نريد صحافة إلكترونية تُلاحق الحقيقة، أم صحافة إلكترونية تُلاحق المشاهدات؟
فالخبر قد ينتشر في دقيقة، لكن الثقة تُبنى في سنوات… وقد تسقط في منشور واحد.





فعلا هاد ما نراه في السنوات لأخيرة