الاحتفالي بين وفاء المكان وغدر الزمان .

بقلم: عبد الكريم برشيد
فاتحة الكلام
في إحدى شطحاته الشعرية الجميلة، والتي أعطاها عنوان (سأم) يقول الشاعر والزجال والإعلامي الطنجي عبد اللطيف بنيحي
(أُرِيدُ أَنْ أَسْتَرِيحَ قَلِيلاً
مِنْ هَذَا المُؤَقَّتِ الَّذِي يَعْبَثُ بِي
و أَرْتَمِي
فِي حِضْنِ الأبَدْ..
أُرِيدُ أَنْ أَغُوصَ إلَى عُمْقِ بَحْرِي
كَيْ أَتَخَلَّصَ مِنْ هَذَا الزَّبَدْ..
أُرِيدُ سَمَاءً غَيْرَ سَمَائِي
وَ بِلاَدًا تأويني
غَيْرَ هذا البلَدْ..)
في زيارتي الأخيرة لمدينة طنجة اعدت اكتشاف هذه المدينة الأسطورية الساحرة، ولقد عرفت ما لم اكن اعرفه من قبل، وقد كان معي دليل استثنائي حكيم يسمى عبد اللطيف بنيحي، ولمن يسال من يكون عبد اللطيف بنيحيى اقول له ما يلي:
هو شاعر احتفالي من مدينة احتفالية تسمى طنجة، وهو مثلها مفتوح على كل الجهات وعلى كل الثقافات وعلى كل اللغات وعلى كل الحالات وعلى كل المقامات، وهو مبدع برتبة شاعر، وهو شاعر بدرجة صوفي، يلتقي في روحه الشرق والغرب، و يلتقي الإعلام و التاريخ، وتلتقي كل الفنون وكل العلوم وكل الصناعات الإبداعية المختلفة
في هذه المدينة تلتقي كل الأزمان، ويحضر التاريخ، وتحضر الحكاية، وتحضر الأسطورة، ويحضر هرقل، وتحظر طانجيس
في شعره الزجلي شيء كثير من حكمة المجذوب المغربي الشعبي، وفي سلوكه يختبئ روح الإنسان الشعبي، وفي حياته. حياة شعره أشياء من روح الثقافة المغربية الشعبية، ولقد لمست عن قرب، في الساعات التي قضيناها معا في مدينة طنجة، مدى قرب هذا المثقف الموسوعي من كل الشرائح المجتمعية بمدينة طنجة، ولقد حكى لي عن شخصيات غريبة في مدينة طنجة، شخصيات تبلغ في بعض ملامحها وجنونها درجة الشخصيات الملحمية و الأسطورية
واعترف، بأن في هذا النفس الجديد شيء كثير من فلسفة هذا الشاعر، ومن أسئلته عن معنى المدينة وهي في روح و جسد شخصية مسرحية احتفالية
هو البحث اذن، في شعر هذا الشاعر، عن حال يتجدد مع تجدد الأيام وهو فعل يدوم في جغرافيا المكان وفي خرائط الزمان، وهل هناك ما يمكن ان يدوم في الزمان غير مولانا الزمان؟
وهذا الزمان المهرج، في سيرك الدنيا، هو وحده الذي يقول كلمته ولا يمضي، وهو وحده الذي اضحك وابكى، وهو وحده الذي يمكر مكره السيء مرة، و يمكر مكره الغريب والعجائب والعبثي والجميل واانبيل والفوضوي في اغلب المرات، وهل بكى الشعراء العرب قديما الأطلال إلا من لعبة هذا الزمان الماكر والمهرج؟
وفي البكاء على الأطلال يلتقي النقيضان عند نفس النقطة، يلتقي وفاء الأمكنة بغدر الأزمنة، ويدور الزمان دورته، وياخذ معه الناس وحياة الناس و أفراح الناس إلى حيث لا احد يدري، ويبقى نفس ذلك المكان الحي مكانا ميتا.. يظل غائبا في حضوره، وبعيدا في قربه
مدن و منازل نسكنها، ومدن وزمنازل تسكننا:
والمفارقة العجيبة في مثل هذا المشهد الغريب، هو ان عجلة الزمان، في عربة الزمان، او في قطار الزمان، دورها في مسرحية الوجود هو ان تدور وتدور، وهذا هو دورها، وهي لا تتوقف لحظة عن الدوران، ولكن المكان ملتصق بالأرض وبتربة الأرض، وقد يمضي كل الناس عن هذه الدنيا ويبقى هو، يبقى المكان ووجماليات المكان،ةولو كنا نحن الناس حجرا مثله، لبقينا مثله على قيد الحضور الغائب، ولكان حضورنا مجرد صورة بلا روح وبلا احساس وبلا حياة، ولكنا مثل ابي الهول، او مثل الأهرام، او مثل الأطلال الميتة، مما يدل على ان ما يصنعه الإنسان، وما يبدعه الإنسان هو وحده الذي يمكن ان ببقى من بعده، وهذا فعلا اذا كان يستحق البقاء، ويسحق الخلود
إن كل حال، في حياتنا وفي حياة حيويتنا، هو حال مؤقت ومحدود، وكل إحساس هو إحساس مؤقت، وهو بالتاكيد فعل عابر في أيام عابرة، وفي اعوام عابرة، وفي سياقات عابرة وطائرة، وذلك باتجاه مخزن الذاكرة الحية، ونحن نعرف ان العابر لا يعول عليه، ولكنه مع ذلك تبقى صوره، وتبقى مشاهده، ويبقى وشمه في الذاكرة التي تحتفظ بكل شيء، بعد ان يمضي كل شيء
ونحن الأحياء، ماذا يمكن ان نفعل في هذه الحياة سوى ان نبني البيوت لنسكنها مؤقتا، والسعيد السعيد فينا هو من تسكنه البيوت العامرة والسعيدة قبل ان يسكنها، وعليه، فإن اي بيت يمكن ان نتخذه سكنا لنا، اذا اتسعت ارواحنا، واصبحت اكبر و ارحب منه، فإنه لابد ان يصبح مسكننا الحقيقي، ويكون بذلك اكبر كل البيوت واجمل كل البيوت، ويكون بذلك ممنوعا من ان يصبح مجرد اطلال في يوم من الأيام، و بالنسلة للمواطن الاحتفالي فإن اية مدينة يمكن ان تسعنا، وان تسع ارواحنا، وتسع احلامنا، وتسع خيالنا، واسع جوننها، هي بالتاكيد مدينتنا الاحتفالية الحقيقية
ألم يقل المتنبي، في علاقته بالمنازل الحجرية:
لك يا منازل في القلوب منازل
اقفرت انت وهن منك اواهل؟
مما يعني ان المنازل التي نبينها في القلوب الصادقة، والتي نشيدها في الأرواح العاشقة، هي وحدها المنازل التي لا يمكن ان يدركها الخراب، والتي لا يمكن ان تصبح في يوم من الأيام مجرد اطلال،
هناك اذن، في ابناء الناس،ك من يسكن هذا العالم، وهناك في الجهة المقابلة من تسكنه كل هذه العوالم، الظاهرة والخفية والكائنة والممكنة والقريبة والبعيدة
ومن حقنا ان نتساءل، اليوم وغدا وفي كل يوم، ايهما الذي من حقه ان يبكى الآخر ، وهل هذا الإنسان هو الذي ينبغي ان يبكي الديار ام ان الديار المهجورة هي التي عليها ان تبكي نفسها، وان تبكي زمنها الذي كان، وأن تبكي حياتها التي ولت، وأن تبكي حيويتها الضائعة، وأن تبكي احتفاليتها التي غابت بغياب الناس الأحياء، وان تبكي عيديتها الضائعة؟
ولماذا نصر نحن الأحياء على ان نسافر دائما؟
وعلى ان تسافر تحديدا في الاتجاه المعاكس للزمان؟
ولماذا يصر هذا الزمان على ان يمضي باتجاه الآتي، ونصر نحن على ان نسافر باتجاه الذي كان؟
ولماذا يردد اغلبنا ذلك المثل القديم الجديد والذي يقول (ليس في الإمكان اجمل ولا اكمل مما كان؟)
ونحن نتحدث عادة عن اليوم الاحتفالي وعن المدينة الاحتفالية وعن الحقبة التاريخية الاحتفالية وعن الفنان الاحتفالي وعن الشخصية المسرحية الاحتفالية وعن السلوك الأخلاقي الاحتفالي، فما المانع من ان نتحدث ايضا عن البيت الاحتفالي وعن المدينة الاحتفالية وعن المناخ الاحتفالي وعن الطقس الاحتفالي؟
وهذا البيت له وجود عند ملتقى كل الجهات، اي عند ملتقى الشرق والغرب، وعند ملتقى الأعلى والأسفل، وعند ملتقى الأمس واليوم، وعند ملتقى كل الأزمنة، ويؤكد الاحتفالي على ان كل الأيام التي مضت، او التي سوف تأتي، سوف تلتقي، وان كل الأيام والليالي المختلفة لها مركز واحد اوحد، والذي هو ساعة الفرح، تماما كما ان كل الأعوام لها مركز واحد اوحد، والذي هو يوم العيد، وتبقى الساعات الأخرى و الأيام الأخرى والأعوام الأخرى مجرد هوامش مؤثثة بالتكرار والاجترار
وعن هذه الاحتفالية يقول المخرج الاحتفالي كبير ديكار، هي
(فكر يتجدد باستمرار، و فلسفة تسعى إلى تأسيس بيت مسرحي يجمعنا، يوحدنا، يجعلنا نسعى نحو إنسانية عالمنا ومدنية مدينة تسعى الرحلة البرشيدية الى تشييد أسوارها المنيعة. تحياتي الخالصة استاذي الفاضل)
البحث في الحياة عن منبع الحياة:
و رحلتي الأخيرة إلى وجدة وبركان و السعيدية و تافوغالت واحفير، ماذا يمكن ان اقول عنها سوى انها كانت بحثا عن الزمن الضائع، وانها كانت محاولة للقبض على ذلك الماضي، والذي يصر هو على ان يمضي، ونصر نحن على ان لا يمضي، وأن نعيده بقوة الحب إلى دورة الحياة اليومية الجديدة، وتلك الرحلة، وفي معناها الحقيقي، كانت صعودا وارتقاء الى الأعلى والأسمى، وكانت حجا عاطفيا نحو المقدس الوجداني والروحي
لقد كنت في هذه الرحلة بصحبة اخي نور الدين، رجل المال والأعمال، ورجل الأرقام والحروف معا،. وذلك باعتباره شاعرا و باحثا في التراث الشعبي و عاشقا له
في تلك الرحلة وقفنا عند باب بيتنا القديم بوسط مدينة ابركان، و وجدناه كما كان، في نفس المكان، في نفس زنقة زكزل، امام المسجد والكتاب، وفكرت، بيني وبين نفسي، لو انني الآن اطرق الباب، هل اجد من يفتحه؟ وعندما ادخل، هل يمكن ان اجد الوالد الحاج المصطفى بداخله؟ هل اجد امي؟ هل اجد اخوتي الحسين وعبد الحفيظ وادريس ونور الدين ؟
يا الله .. نحن نرحل مع هذا الزمان، ولكن المكان لا يرحل، وهذا البيت مازال في مكانه، بنفس جدرانه، وبنفس الباب، ولكن نحن الذين كنا فيه لم نعد فيه، وتلك هي المفارقة الغريبة والعجيبة
الأب رحل، ومازال ضريحه بنفس المدينة، والأم رحلت، ولكن ضريحها بمقبرة الرحمة بمدينة الدار البيضاء
اما الجدة للا خدوج لحلو فهي مدفونة في مقبرة باب فتوح في مدافن اسرة لحلو، اما اخي الحسين فهو مدفون في مقبرة ظهر المهراز قريبا من بيتنا بطريق صفرو
لقد وقفت، انا واخي نور الدين، امام ضريح سيدي احمد ابركان والذي تحمل المدينة اسمه، و وقفنا امام ضريح الوالد، والذي يقع على بعد خطوات منه، تحت نخلة عالية جدا..
وفي مدينة وجدة، وامام باب بيت جدتنا للا خدوج لحلو بدرب اولاد عمران ، داخل الصور التاريخي للمدينة، وقفنا نناجي المكان في غياب الزمان وأهله
وامام هذه الأطلال، يمكن ان نخلص إلى الحقيقة التالية، وهي ان البيت الذي نبنبه هو دائما اطول عمرا منا، وبان ما نقوله وما نكتبه وما نفعله وما مبدعه وما نتخيله باق بعدنا، وان كل هذه الأطلال ستشهد لنا اننا كنا هنا، واننا قد مررنا من هنا
هما إذن سؤالان اثنان مترابطان عضويا وفكريا، وهما سوال المكان سوال الزمان
وبين جماليات المكان وشعرية المكان يوجد بيت الشاعر ، ويوجد بيت المسرحي ويوجد بيت السينمائي، ويوجد بيت الرسام، ويوجد بيت العالم، ويوجد بيت الحكيم
من سؤال (من اين جئت؟) الى سؤال (الى اين سامضي؟):
وفي كتاب (مسافر وجهته السحاب) والذي مازال مخطوطا، يقدم الاحتفالي نفسه للناس، موضحا علاقته الوجدانية والروحية بالمكان الذي أنبته، وبالزمان الذي حضر ولادته، وفي احد فقرات هذا الكتاب, والتي حملت عنوان (أبركان مدينتي التي..) يقول الاحتفالي ما يلي:
(في البدء كانت الولادة، وكان لهذه الولادة مكان محدد، وكان لها زمن معلوم، ولست أنا من اختار مدينة أبركان، فضاء لمسقط الرأس والقلب، ولمسقط الوجدان والروح، وقد تكون هي التي اختارتني، ولو أنني أعطيت الفرصة لأن أختار، فلن اختار غيرها، وبالتأكيد فلست أنا من اختار زمن الحرب العالمية الثانية للخروج للوجود، ولقد كتب علي أن أعيش أجواء الحرب طيلة مساري الوجودي، وأن أكون دائما في عين العاصفة، في البدء إذن (كان هناك برشيد الطفل، ورحل هذا الطفل باتجاه الرجل فأدركه، من غير أن يضيع الطفل الذي بداخله، وإلى اليوم، مازال الطفل والرجل يقتسمان نفس الروح، ويعيشان ويتعايشان في نفس الجسد، ويحملان نفس الاسم)
هكذا رآني وتصورني الشاعر والباحث الدكتور مولود قنبي في رسالته الجامعية، وفي هذه الصورة تسكن عناصر كثيرة من حقيقتي
ولقد عشقت الفن، بكل لغاته ومفرداته وأجناسه المتعددة والمتنوعة، واعتنقته منهجا في العيش والحياة، وتمسكت به، لأنني وجدت فيه طفولتي المتجددة، والتي لا يمكن تدركها الشيخوخة في يوم من الأيام، ولقد أعطاني هذا الفن إمكانية أن أكون جادا في اللعب وباللعب، وأن أكون حالما في يقظتي، وأن أكون متعددا في وحدتي، وأن أكون مسافرا في إقامتي، وأن أكون حاضرا في غيابي، وأن أكون عالما وساحرا، وأن أكون صانعا للعوالم الجديدة والمثيرة والمدهشة، وقبل هذا وذاك، أن أكون إنسانا كامل الإنسانية
ولأنني فتحت عيني على جمال الطبيعة في مدينة أبركان، فقد كان ضروريا أن أتقن لغة هذه الطبيعة، وأن أستعين بألوانها وبأضوائها وبظلالها وبأشكالها وبموسيقاها من أجل أن أنطق مثلها، وبذلك فقد وجدت نفسي، ومن غير أن أدري، شاعرا، ولهذا فقد كان من حقي أن أقول:
(وفي البدء أيضا، كان هناك برشيد الشاعر، ورحل هذا الشاعر بحثا عن العالم وعن الفيلسوف وعن الحكيم، فأدرك من كل واحد شيئا، من غير أن يفرط في روح الشاعر، وفي رؤية الشاعر، وفي وجدان الشاعر، وفي صوت الشاعر الذي يسكنه)
مدينة أبركان: عنواني الأول
يقول ناظم حكمت ( هناك اسمان لا يمكن أن ننساهما حتى لحظة الوفاة، وهما اسم أمهاتنا واسم مدننا) واسم مدينة أبركان وشم من ضياء مطبوع على قلبي، وفي هذا المعنى كتبت كتابا كاملا أعطيته اسم ( غابة الإشارات) وفي كل الحوارات والكتابات يتردد صدى هذا الحب لهذه المدينة الملهمة.
وتنتصب (مدينة أبركان دائما، شامخة في وجداني وفي ذاكرتي وفي كتاباتي الإبداعية، وفي كتاب ( غابة الإشارات ) والذي هو سيرة حياة، ومسار وجود، يصبح لهذه المدينة معنى خرافيا وأسطوريا في حياتي وفي حياة كتاباتي، وتكون بهذا أول حرف، وأقدم عبارة، في سفر التكوين، وبهذا أكون ـ من حيث أدري أو لا أدري ـ حجرا من أحجارها، وأصبح زقاقا من أزقتها، وأجد نفسي جدولا من جداولها، وغيمة من غيومها، وشجرة من أشجارها، وأجد أن هذه المدينة، وهي وحي أولا، وهي ذاكرة موشومة ثانيا، وهي ـ ثالثا ـ زمن مضى ولم يمض، وما أقوله عن أبركان أقوله عن مدينة فاس أيضا، وأقوله عن مدينة الخميسات كذلك، وتقوله عن مدينة الدار البيضاء، وأقوله عن كل المدن التي اقتسمت معها المكان، واقتسمت معها اللحظة الطائرة، واقتسمت معها نشوة الوجود)
نحن نسافر لنحيا حياة حقيقية، ونحن نحيا حياتنا الحقيقية في السفر ومن خلال السفر ،من اجل ان نكتشف المناطق المجهولة في نفوسنا وفي عقولنا وفي ذاكرتنا
لقد اعطيت هذه المقالة عنوان ( الاحتفالي بين وفاء المكان وغدر الزمان) ويمكن ان اضيف بانه لا شيء اسوا من غدر الزمان إلا غدر بعض ناسه واهله وزانيته.






