مصطفى صادق الرافعي.. حنانًا نأوي إليه

محمد عبد العزيز الهجين يكتب في عمود لؤلؤة الغواص:
جريدة الراية.
شعرت بألم في أذني وذهبت إلى الطبيب، وفي طريقي إلى العيادة تذكرت الأديب مصطفى صادق الرافعي، الذي حُرم حاسة السمع، فقد كان أصمَّ. تحكي نعمات أحمد فؤاد في كتابها “دراسة في أدب الرافعي” أنّ الرافعي كان يؤمن إيمانًا لا شك فيه بأن يومًا ما سيأتي فيرتد إليه سمعه بلا علاج ولا معاناة، لأن بشيرًا من الغيب هتف بهذه البشرى في نفسه فهي لا بد واقعة!
…………………………………………..
أطلق الرافعي لسانه بهذه الصرخة عندما كان الأستاذ محمد سعيد العريان جالسًا يتحدث إليه فإذا به يقول له: “ارفع صوتك بالحديث لعل الساعة الموعودة قد حانت فأسمع ما تقول”. كم شجت هذه الكلمة من الرافعي الكاتبة نعمات أحمد فؤاد التي تكتب عنه وتتألم من أجله.
…………………………………………..
كان صدر الرافعي المكروب يتشوق إلى أن يسمع صوت الحياة، وتتخيل الكاتبة نعمات أنه كان ينتظر سماع صوت “تغريد البلابل وزقزقة العصافير، وخرير الماء، وتطريب الغناء، وضجة الأحياء، فإنها هي الأخرى لها معناها، بل إنه يتشوق إلى سماع همس النسيم في الغصون، وحديث الفراشة إلى الزهرة وهى تستاف رحيقها وتستروح العبير”.
…………………………………………..
من أجمل السير الغيرية ما كتبه العريان عنه بعنوان “حياة الرافعي” الذي وصفه محمود محمد شاكر في مقدمة الكتاب: “رحمة الله على الرافعي، لقد شارك الأوائل عقولهم بفكره، ونزع إليهم بحنينه، ثم صار إلى أن أصبح ميراثًا نتوارثه، وأدبًا نتدارسه، وحنانًا نأوي إليه”.
…………………………………………..
ظل الرافعي على الدأب في القراءة والاطلاع إلى آخر يوم من عمره، يقرأ كل يوم ثماني ساعات متواصلة، لا يمل ولا ينشد الراحة لجسده وأعصابه، في القهوة، وفي القطار، وفي ديوان الوظيفة، لا تجد الرافعي وحده إلا وفي يده كتاب.
…………………………………………..
كان الرافعي يقول: ”وما أرى أحدًا يفلح في الكتابة والتأليف إلا إذا حكم على نفسه حكمًا نافذًا بالأشغال الشاقة الأدبية، كما تحكم المحاكم بالأشغال الشاقة البدنية، فاحكم على نفسك بهذه الأشغال سنتين أو ثلاثًا في سجن الجاحظ أو ابن المقفع أو غيرهما، وهبها كانت في سجن أبي زعبل أو طرة”.
…………………………………………..
كان اختيار الموضوع أول عمل يحتفل له الرافعي، راح يلتمس الموضوعات التي تصلح أن يكتب فيها لمجلة الرسالة، فكان يرسل عينه وراء كل منظر، ويمد أذنه وراء كل حديث، ويرسل فكره وراء كل حادثة، ويُلقي باله إلى كل محاورة، ثم يختار موضوعه مما يرى ويسمع ويشاهد ويحس.
…………………………………………..
والأهم أنه كان له عناية واحتفال بموسيقية القول، حتى ليقف عند بعض الجمل من إنشائه برهة طويلة يحرك بها لسانه حتى يبلغ بها سمعه الباطن، ثم لا يجد لها موقعًا من نفسه فيردّها وما بها من عيب، ليبدل بها جملةً تكون أكثر رنينًا وموسيقى، وكان له ذوق فني خاص في اختيار كلماته كما يذكر العريان.
…………………………………………..





