معرض الفرس بالجديدة.. بين إشعاع التظاهرة وانتظارات الشباب: أين نصيب أبناء المدينة من الفرص؟
بقلم: ياسين زوهيري

مع اقتراب كل دورة من معرض الفرس بالجديدة، يتجدد النقاش حول حصيلة هذه التظاهرة الدولية، وحجم الاستفادة منها، ومدى انعكاسها على الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالإقليم. وبين من يركز على نجاح التنظيم وأهمية الحدث في تثمين التراث الفروسي المغربي، ومن يتساءل عن مردوديته المحلية، يبرز سؤال يستحق أن يحتل مكانة مركزية في هذا النقاش: أين يوجد شباب الجديدة من الفرص التي يمكن أن يتيحها معرض الفرس؟
لم يعد كافياً أن ينحصر النقاش في عدد الزوار، أو الشخصيات الحاضرة، أو الصور المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو حتى في مسألة الحصول على شارات الدخول «البادجات». فهذه التفاصيل، مهما كانت أهميتها التنظيمية، لا تجيب وحدها عن السؤال الجوهري المتعلق بالأثر الاقتصادي والاجتماعي للتظاهرة، ومدى قدرتها على خلق فرص ملموسة لفائدة الساكنة المحلية، وخاصة فئة الشباب.
من حضور التظاهرة إلى الاستفادة من فرصها
لا شك أن معرض الفرس يشكل مناسبة للتعريف بالتراث الفروسي المغربي، وإبراز المؤهلات الثقافية والاقتصادية المرتبطة به، كما يتيح فضاءً للقاء المهنيين والفاعلين في عدد من المجالات. غير أن أهمية هذه التظاهرة تفتح الباب أمام تساؤل مشروع: كيف يمكن توسيع دائرة الاستفادة منها لتشمل أكبر عدد ممكن من شباب الجديدة وإقليمها؟
فالشباب المحلي لا ينبغي أن يظل مجرد متفرج على حدث كبير تحتضنه مدينته، بل من حقه أن يتطلع إلى الاستفادة من الفرص التي يمكن أن تنشأ حوله، سواء في مجالات التنظيم والتواصل، أو السياحة والخدمات، أو الحرف المرتبطة بالفروسية، أو المبادرات المقاولاتية والأنشطة الاقتصادية الموازية.
وهنا تبرز أهمية التفكير في آليات عملية تربط المعرض بالكفاءات الشابة، من خلال التعريف بالفرص المهنية المرتبطة به، وتشجيع المقاولات المحلية على إشراك الشباب، وإتاحة فرص للتكوين واكتساب الخبرة، فضلاً عن دعم المبادرات التي يمكن أن تستمر حتى بعد انتهاء أيام التظاهرة.
شباب الجديدة.. طاقات تنتظر فرصاً حقيقية
في مدينة وإقليم يضمّان طاقات شابة وتطلعات متعددة، يظل التشغيل والإدماج الاقتصادي وتطوير الكفاءات من بين المواضيع التي تستحق نقاشاً جدياً ومستمرّاً.
ومن هذا المنطلق، فإن ارتباط معرض الفرس بالجديدة ينبغي ألا يُقاس فقط بكون المدينة تحتضن هذا الحدث، بل أيضاً بمدى قدرته على فتح آفاق جديدة أمام شبابها.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة التي تستحق إجابات واضحة: ما حجم فرص الشغل التي يتيحها المعرض، بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟ وما مدى استفادة المقاولات المحلية من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة به؟ وهل توجد برامج أو مبادرات لتقريب الشباب من فرص التكوين والتشغيل التي يمكن أن يوفرها هذا الحدث؟ وكيف يمكن ضمان استمرار هذه الاستفادة بعد إسدال الستار على كل دورة؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني التقليل من قيمة المعرض أو التشكيك في أهميته، بل يندرج ضمن النقاش العمومي حول سبل تعزيز أثر التظاهرات الكبرى على محيطها المحلي.
من النقاش حول «البادج» إلى النقاش حول التنمية :
قد يتحول النقاش حول المعرض أحياناً إلى الحديث عن الحضور، وشارات الدخول، والامتيازات المرتبطة بالمشاركة. غير أن حصر النقاش في هذه الجوانب قد يحجب قضايا أعمق وأكثر ارتباطاً بمستقبل المدينة.
فالقضية ليست في من حصل على شارة الدخول، أو من التقط صورة داخل فضاءات المعرض، وإنما في كيفية تحويل هذه التظاهرة إلى فرصة أوسع للتنمية المحلية، وفي مدى استفادة الشباب والمقاولات والمهنيين من الدينامية التي يمكن أن يخلقها.
إن المطلوب هو الانتقال من سؤال: «ماذا استفدنا من معرض الفرس؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: «كيف يمكن أن نستفيد منه بشكل أفضل، وما الذي ينبغي تطويره حتى تصل ثماره إلى أكبر عدد ممكن من أبناء الإقليم؟».
وهذا التحول في النقاش من شأنه أن يجعل تقييم المعرض أكثر ارتباطاً بالنتائج، بعيداً عن الانطباعات الشخصية أو الاكتفاء بمظاهر النجاح التنظيمي.
إن تعزيز استفادة الشباب من معرض الفرس يقتضي التفكير في مقاربة تشاركية تجمع بين الجهات المنظمة، والمؤسسات المعنية بالتشغيل والتكوين، والجماعات الترابية، والفاعلين الاقتصاديين، وجمعيات المجتمع المدني، فضلاً عن الشباب أنفسهم.
ويمكن أن يشمل ذلك إحداث قنوات واضحة للتعريف بالفرص المتاحة، وتشجيع مشاركة المقاولات المحلية، وتنظيم لقاءات مهنية وتكوينية موازية، وتقييم الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمعرض بعد كل دورة، مع إتاحة المعطيات التي تساعد الرأي العام على فهم النتائج المحققة ومجالات التطوير الممكنة.
كما أن إشراك الشباب في النقاش حول مستقبل التظاهرة من شأنه أن يساهم في صياغة مقترحات واقعية تستجيب لانتظاراتهم، وتجعلهم شركاء في الاستفادة من المؤهلات التي تزخر بها مدينتهم، لا مجرد فئة تنتظر ما قد يصل إليها من فرص.
الخلاصة: ما بعد المعرض هو الاختبار الحقيقي
إن معرض الفرس بالجديدة ليس مجرد موعد سنوي للاحتفاء بالفروسية والتراث، بل مناسبة لفتح نقاش أوسع حول العلاقة بين التظاهرات الكبرى والتنمية المحلية.
وإذا كان نجاح التنظيم والحضور والإشعاع عناصر مهمة في تقييم أي حدث، فإن الأثر الذي يتركه على محيطه يظل بدوره معياراً يستحق الاهتمام، خصوصاً حين يتعلق الأمر بفرص الشباب ومستقبلهم المهني والاقتصادي.
فالجديدة ليست فقط فضاءً يحتضن معرض الفرس، بل مدينة تضم شباباً يمتلك الطموح والكفاءة والرغبة في المساهمة في تنميتها. ومن حق هؤلاء الشباب أن يكونوا جزءاً من النقاش حول مردودية التظاهرة، وأن تُطرح بجدية مسألة استفادتهم من الفرص المرتبطة بها.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يرافق كل دورة من دورات المعرض:
ماذا سيبقى لشباب الجديدة بعد انتهاء معرض الفرس؟ هل ستنتهي الحكاية بانتهاء التظاهرة، أم ستتحول إلى فرص حقيقية للتكوين والتشغيل والاستثمار والمشاركة في التنمية المحلية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال، مدعومة بالمعطيات والمبادرات الملموسة، هي ما يمكن أن ينقل النقاش من مجرد تقييم موسمي إلى حوار جاد حول مستقبل الشباب والتنمية بإقليم الجديدة.





