24 ساعةأحزابالواجهةعالم السياسة

مفارقات انتخابية: حين يستجدي “أصحاب الملايين” صوت من لا يملك قوت يومه

​حين تختلط الأوراق وتنقَلِب موازين المنطق، تصبح العملية الانتخابية في كثير من الأحيان مسرحاً مفتوحاً على الكوميديا السوداء. فما أن تلوح في الأفق بوادر الحملات الانتخابية، حتى يخرج علينا بعض مرشحي “الموسم الانتخابي” – وقد نفضوا غبار الراحة عن أكتافهم – بوجوه جديدة (مُستنسخة)، وخطابات مُعلّبة جاهزة، وابتسامات عريضة تُوزّع بلا حساب ولا معنى، متناسين تماماً، أو بالأحرى متجاهلين، الواقع المرير الذي يعيشه المواطن البسيط طيلة سنوات الولاية الانتخابية العجاف.

​لعل أبرز وأقسى صُور السخرية والتناقض في المشهد الانتخابي المعاصر، هي تلك اللحظة السوريالية التي يترجل فيها هؤلاء المرشحون – ومن مختلف الأطياف والدرجات الوظيفية – من أبراجهم العالية، ليقفوا بكل ثقة أمام مواطن مقهور، وُجد مكرهًا لا بطبعه، دفعته لقمة العيش المُرّة لافتراش رصيف السوق العشوائي، منتظراً زبوناً قد يأتي أو لا يأتي، لكي يظفر بدرهم أو 5 دراهم يُسكت بها جوع أسرته.

​يقف السياسي، المتمتع بكل امتيازات الوظيفة المنتخبة وراتبها السمين، أمام بائع “الفراشة” المُعدم، ليسأل بكل برود أعصاب ودم بارد: “تعاون معايا وصوت عليا!”. ألا يكفي هذا المشهد وحده ليكشف حجم الهوة السحيقة والقطيعة التامة بين واقع النخب السياسية وواقع الشارع المعيش؟

​المُضحك المُبكي في الأمر، أن هذه المفارقة المقيتة لا تقتصر فقط على النائب البرلماني الذي يضمن راتباً شهرياً مُريحاً يُقدر بـ 3 ملايين سنتيم كتعويضات، فضلاً عن الامتيازات والتقاعد الرفيع؛ بل إن عدوى “استجدي من لا يملك” قد أصابت الجميع: فالوزير المرشح، ذاك المسؤول الذي يتربع على هرم السلطة، ويتحكم في ميزانيات ضخمة، ويُعامل كملك في الوزارة، نجده ينحني فجأة ليصافح بائعاً متجولاً بكل تواضع مصطنع، طالباً “بركته” وصوته. فهل يعقل أن من يملك مفاتيح الحلول والقرارات طوال سنوات يضطر اليوم للتوسل لمن عانى من سياساته؟ وكذلك رجل الأعمال المرشح، الملياردير الذي لا تكفيه أرباح شركاته وصفقاته المليونية، والذي يدير مؤسساته بعقلية “الربح والخسارة”، يرتدي ثوب “الخادم المتواضع” للشعب، ويُقدم نفسه كمنقذ. إنه لمن قمة العبث أن يطلب رجل الأعمال الذي راكم ثروته غالباً من استغلال العمال وتسهيلات الدولة، صوتاً من مواطن لم يذق طعم الاستقرار يوماً واحدًا.

​إنها لمفارقة عجيبة حقاً، تكشف عن خلل بنيوي في منظومتنا الانتخابية والأخلاقية؛ فعوض أن يقدم هؤلاء – سواء كانوا برلمانيين، وزراء، أو رجال أعمال – حساباً عسيراً عن إنجازاتهم (أو تقصيرهم)، أو يتقدموا ببرنامج حقيقي لإنقاذ صغار الكسابة والباعة المتجولين من جحيم التهميش والبطالة، يتحولون بقدرة قادر إلى “مُستجدين” للأصوات، يطرقون أبواب من لا يملكون قوت يومهم.

​فالنائب الذي يُؤمن مستقبله المالي بأموال دافعي الضرائب، والوزير الذي يتقاضى أجراً خيالياً، ورجل الأعمال الذي ينام على الملايير، جميعهم يمدون أيديهم – رمزياً وفعلياً – لمن لا يضمن حتى وجبة غدائه. إنها نفس الوجوه، بنفس الوعود، ونفس الأكاذيب؛ يتذكرون فجأة رائحة الأسواق الشعبية وغبار الأرصفة مع أول يوم من الحملة الانتخابية، ليختفوا بعدها لمدة خمس سنوات كاملة.

​إن هذه الممارسات لم تعد تثير الاستغراب بقدر ما تثير الاشمئزاز والسخرية اللاذعة. فوصف الحال أبلغ من كل التبريرات والخطب الرنانة؛ فكيف لمن يعيش في برج عالٍ، أو قصر فاره، أن يحس بألم جيبٍ فارغ؟ وكيف لمن ضمن رصيداً بنكياً سميناً أن يدرك معنى الانتظار الطويل تحت لسعة الحر وبرد الشتاء على رصيف السوق؟

​وحين يتجرأ مثل هؤلاء – البرلماني، الوزير، رجل الأعمال – على طلب “التعاون” من بائع “الفراشة” وغيره من الفئات الهشة، فإنهم يوجهون صفعة قوية، ليس فقط للوعي الجماعي، بل لكل شعارات التنمية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية التي يتشدقون بها. وحري بالمواطن البسيط اليوم، وأمام هذا التناقض المفضوح والمشهد العبثي، أن يُعمل عقله وضميره، وأن يدرك أن صوته أثمن بكثير من أن يُمنح لمن لا يعرف معاناته إلا حين تبحث مصالحه الضيقة عن ورقة اقتراع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى