
محمد يتيم
اطلعت على بعض التدوينات لبعض الإخوة الأعزاء الذين يقللون من أهمية القيام بالواجب المستطاع من خلال الأدوات والقنوات القانونية المتاحة لتحقيق الإصلاح والتغيير، وقد يواجهك بعضهم بحجج من قبيل: ماذا أنتجت مشاركتهم من خلال المؤسسات القائمة؟ ومن دخولكم البرلمان؟ والمجالس الجماعية؟ إلا أنكم أعطيتم شرعية لمؤسسات وعملية سياسية “فاسدة”.
و الواقع أنه من الخطأ ربط النهج الاصلاحي في التصور الإسلامي وتقييمه بحصول “نتائج” معينة… بل إن المقصود من المناضل أو المصلح أو الداعية أساسا القيام بالواجب الممكن لقوله تعالى “فاتقوا الله ما استطعتم”، وقوله تعالى: “إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله”.
مفهوم الصبر الاستراتيجي مفهوم مؤسس للنضال والعمل من أجل الإصلاح:
إن المبادرات الاصلاحية أيا كانت مآلاتها ونتائجها هي محطة من محطات البناء ولا يتعين الحكم عليها من خلال بعض النتائج الظرفية والتسرع في الحكم عليها سلبا بسبب عدم إثمارها لآثار إصلاحية ظاهرة أو لحظية هو خطأ في التقدير، تأمل مثلا قوله تعالى: “وكم من نبئ قتل معه ربيون كثير، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين”.
وتأمل كيف صور القرآن الكريم نتائج المغاضبة، أي اليأس من الإصلاح واستعجال نتائجه وإفراغ مواقعه وثغوره فقال: “وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن تقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إلاه إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”.
وقوله تعالى: “وكأين من نبئ قتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا واستكانوا والله يحب الصابرين.. وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين”.
المطلوب أساسا إبراء الذمة وتخفيف التبعة… “فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر”، وقوله تعالى “ليس عليك هداهم”، وقوله: “إنك لا تهدي من أحببت”، ويطول الأمر في بيان هذا المعنى المنهجي العميق في التصور الإسلامي.
الصبر الاستراتيجي والتغيير الاستراتيجي:
تبعا لذلك من مقتضيات الإصلاح أو التغيير الإستراتيجي التحلي بخلق “الصبر الاستراتيجي”، ولعل أمر القرآن الكريم للصحابة الأوائل بـ “كف الأيدي” و”إقامة الصلاة”، مما يدل على أهمية الصبر الاستراتيجي… مما يتعين جعله دعامة في نهج الإصلاح وفي بناء ثقافة المتصدين له ومن ثم جعله وعيا عميقا لدى من يناضلون من أجل الإصلاح !
ولو كان من شأن المشاركة السياسية وغير السياسية من خلال الأطر والمؤسسات القائمة أن تفرغ الإصلاح من مضمونه لسارعت عدد من الحكومات والدول لإفساح المجال لحركات وأحزاب تعتبر أنها تشكل تهديدا لشرعيتها ووجودها، وهنا يكمن الفرق بين الاستعجال التكتيكي والوعي الاستراتيجي.





