
مسرور المراكشي :
تمهيد :
لقد تتبعت بعض الفديوهات من مهرجان موازين، حيث ظهر شاب في العشرينات من العمر يقطع لحمه بشفرة حلاقة، و يصرخ مستنكرا غلاء ثمن حبوب الهلوسة ( القرقوبي )، وهكذا يا مغاربة قد وصلنا القاع نهاية خط السير حلوا الأحزمة.. !!، لكن المضحك المبكي و المثير للشفقة في نفس الوقت، هو أن تستيقظ النخب السياسية والثقافية في المغرب، كما هي العادة متأخرة دائما وبعد فوات الأوان، ومن محاسن الصدف أن إسم (الفنان ) طوطو، مشتق من صوت منبه الحافلة عندما يريد السائق تنبيه المارة، يضغط على الزر و ينطلق صوت المنبه : ( طوط ـ طوط … )، وعندما نجمع هذه الحروف في كلمة تعطينا ( طوطو )، الآن يمكنكم فهم كيف انتبهت نخبنا السياسية والثقافية، حيث استيقظوا على صوت صفارات المنبه 🙁 طوط…طوط…) وهم في ذعر كبير، يتساءلون كيف استطاع ” الفنان” ( طوطو)، أن يجمع حوالي 500 ألف “حاج ” أو يزيد في سهرة، جاءوا من كل فج عميق ليرقصوا كما يرقص و يميلون كما يميل، شباب و شابات يرددون كلماته كأنها وحي منزل، ثم بدأت عاصفة من التحاليل العميقة..!! لفهم التحول الكارثي لميولات الشباب و ذوقهم، فهناك من أرجع الظاهرة إلى ضعف التدين، وآخر أرجع الأمر إلى الفقر والتهميش، وثالث يرى السبب في قلة الوعي الإيديولوجي و السياسي، ثم صبوا جام غضبهم على النجم المسكين طوطو ( الصلݣوط )، في حين هذا الأخير ليس إلا قطعة من أدوات التنفيذ : ( مطرقة ـ فأس ـ ملقط ..)، ويمكن للسيد طوطو أيقونة مهرجان موازين، الرد على من يلوم و ينتقد طريقة غنائه، وذلك من خلال تبني خطاب إبليس في جهنم، عندما حملته جماهير الكافرين المسؤولية، حيث قال : (… ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ..)، فعلا إذا تبنى ” الفنان ” طوطو هذا الخطاب، اتفق معه تماماً و أرفع له القبعة عاليا، أنا أحمل المسؤولية للنخبة السياسية والثقافية، لانهم تركوا الميدان لحديدان طوطو، وعليه يمكن تناول الموضوع من خلال الإجابة على بعض الأسئلة :
السؤال الأول ماهي الأسباب التي أدت بنا إلى هذا الحال، وهل كنا نستطيع تفادي ذلك ..؟ وهل يمكننا التعافي والعودة إلى قيمنا الأصيلة..؟ ثم أختم بخلاصة…
الفقرة الأولى :
ـ شكرا ” طوطو ” على تنبيه الغافلين :
لقد صدق من قال : ( خذوا الحكمة من أفواه المجانين )، لكن في المغرب ربما يرشدنا للحكمة ( صلݣوط )، وذلك من حيث لا يدري أي بطرق غير مباشرة، فعند الإستماع إلى كلمات أغانيه رغم ما فيها من قلة حياء، إلا أنه يضع الأصبع على الجرح و يرشدنا إلى مكمن الداء، لقد حجب قصر النظر و التخلف عنا فهم مقصد الدكتور المنجرة، رحمه الله عندما قال في بداية تسعينات القرن الماضي، بمناسبة انطلاق قناة دوزيم إنها قناة صهيونية، وأضاف قائلا: ( أنها لن تدخل بيتي..!!)، هنا ( خصك تعيق أو اتفيق يا بوراس ) لكن مع الأسف الشديد لم يلتفت أحد إلى كلام الدكتور، و استمرت القناة في تخريب قيم المغاربة، بدبلجة أفلام مشبوهة تزين الفاحشة مثلا فيلم ( العشق الممنوع)، و إنتاج برامج لا علاقة لها بثقافة المغاربة الأصيلة، و تجدها دائما تسبح ضد تيار الوطنية وما أجمع عليه المغاربة، مثلا عندما قام الصهاينة بإحدى المجازر بثت القناة سهرة على المباشر، وعندما احتج المغاربة على الكوميدي الصهيوني ( لورون جيرا )، لأنه كان ينوي تقديم عرض كوميدي في مركب ( ميݣا راما )، بمناسبة الذكرى 50 لقيام الكيان الصهيوني، قامت دوزيم باستضافته ليشتم المغاربة المحتجين، واليوم القناة تستضيف المدعو ( طوطو ) بمناسبة مهرجان موازين، هنا أبالمعطي بدأ يتساءل : ( واش دوزيم معانا ولا مع غانا..؟ )، في الحقيقة أنا لا ألوم قناة المجاري ( الواد الحار بو خرارب)، ولكن كل اللوم يقع على من يشرب منه بل يسبح و يستحم فيه، هناك باقة قذرة من أدوات تخريب قيم المغاربة منها : ( دوزيم ـ البوليفار ـ مغرب الثقافات ـ موازين ـ مؤسسة شرق غرب…)، المهم من يحرك هذه الجوقة لا يظهر في المشهد، كما في أفلام عصابات “المافيا”، الزعيم الكبير لا يظهر في الصورة ولا يعرف ملامحه أحد، فقط يجلس في كرسي كبير يصدر الأوامر، الذي يظهر منه هو جزء قليل من شعر الرأس و دخان السيجارة…
الفقرة الثانية :
هل يمكن التغلب على هذه العصابات، والعودة كما كنا أي قبل دوزيم و أخواتها طوطو و خوخو و بوعو وباقي زريعة لبلا..؟ في الحقيقة كان عند الفنانة الحمداوية قبل عقود، سبق في التحذير مما نحن فيه اليوم من سيطرة التفاهة….لكم بيت من إحدى اغانيها في خمسينات القرن الماضي :
ـ ” ها لمحاين ها لفقايص يا للي راسو خاوي ” :
فعلا كلمات تلخص حال الشباب اليوم في 2025، لقد أبدعت الفنانة الحمداوية رحمها الله و غفرلها، في رسم صورة للشباب اليوم، وكأنها تنظر إلى تدافع جماهير مهرجان موازين، رغم أن هذا النداء صدر في أواخر خمسينات القرن الماضي، حيث عبرت عن الحسرة و الألم الشديد من حال شباب ضائع رؤوسهم فارغة، وهذا نراه اليوم بكل وضوح، بحيث لا وعي سياسي ولا ثقافة ولا هم رسالي لديهم، فقط مخدرات وكلام فارغ عن آخر صيحات الموضة، في طرق قص الشعر و صبغه، و اللباس و المكياج و الوشم و الأيفونات، يكفيك فقط زيارة لمعاقل النضال التاريخية في الجامعات المغربية، قد تصدم من طلبة حلقوا رؤوسهم بشكل غريب و مضحك، هناك نوعان من الطلبة : صنف يجلس وحده وقد وضع سماعات بلوتوث في أذنيه، وهناك صنف الثنائي( الكوبل ) حيث تجد طالبة مع طالب و كأنك تشاهد فيلم تركي رومانسي، لا حلقات نقاش سياسي و لا تظاهرات أو أسابيع ثقافية ملتزمة، لقد تساوى في ذلك اليسار و الإسلاميين إلا من رحم ربك و قليل ماهم، عندها يمكنك ترديد نداء الفنانة الحمداوية، بكل أسف وحسرة و مرارة : ( ها لمحاين ها لفقايص يا للي راسو خاوي…!!! )، هل يعني كل هذا أننا انهزمنا وعلينا الإستسلام..؟ طبعا لا..!! قد ربحت الليبيرالية فعلا جولة من الحرب الحضارية، بنشرها ثقافة التفاهة و عقلية الإستهلاك، و خربت قيم الجدية والرجولة…، لكن الأمل في الله كبير ولا قنوط من رحمة الله، سيبقى التدافع بين الحق و الباطل إلى قيام الساعة، وبما أن الليبيرالية باطل بهذا المفهوم، سنقاومها دون هوادة إلى قيام الساعة…
خلاصة :
أوجه نداء عاجلا لنشطاء اليسار و الإسلاميين، من أجل العودة إلى الميدان : الساحات الجامعية ودور الشباب و الفضاءات الثقافية، من أجل إحياء أمسيات فنية ملتزمة تتناول قضايا الشعب و الأمة، و إحياء حلقات النقاش السياسي في الساحات الجامعية، لا بأس أن يحلم اليسار بجمهورية تقسم فيها الثروات بالتساوي، وأن يحلم الإسلامي بدولة عمربن عبد العزيز العادلة، لأن الخطر كل الخطر في هيمنة أصحاب (الراس الخاوي )، كما قالت الفنانة الشعبية الحمداوية، لأن غياب هذا الجو الثقافي سيفتح الباب على مصراعيه لثقافة طوطو، لأن دخول وزير الثقافة على الخط بدعم هذا التوجه رسميا، وهذا يشكل خطر حقيقي يهدد الإسلاميين و اليساريين على حد سواء، كلامي هنا موجه للمناضلين الشرفاء الحقيقين، اما ما تبقى فهم خارج التغطية بطبيعة الحال… مزبلة التاريخ لازال فيها متسع..!!
ملاحظة :
كلمة “صلݣوط ” أطلقها طوطو على نفسه، بارتداء معطف كتبت عليه هذه الكلمة بحروف لاتينية بارزة، وفي رأيي هناك المزيد من هذه الكلمات الساقطة مستقبلا مثلا : مسخوط ـ كلب ـ حمار وغير ذلك…





