الواجهةمجرد رأي

هذا هو الإسلام السياسي محرر البشرية الذي تحاربه كل الأنظمة القمعية!

بقلم: أحمد بن نعمان

في سياق المقالات الفكرية والسياسية الخاصة التي يكتبها لـ “عربي21″، يواصل الكاتب والباحث الجزائري الدكتور أحمد بن نعمان الاشتباك مع أسئلة الإسلام السياسي وعلاقته بالدولة والديمقراطية والمشاركة في الحياة العامة، مستندا إلى قراءته للتجربة الجزائرية، وما شهدته المنطقة العربية من تحولات منذ انطلاق ثورات الربيع العربي، وما أعقبها من انتكاسات وصراعات وإعادة تشكيل لموازين القوى.

وفي هذا المقال، يطرح بن نعمان دفاعا عن المشاركة السياسية للحركات الإسلامية، معتبرا أنها ليست مجرد خيار تكتيكي للتكيف مع القيود المفروضة على المجال العام، بل تجربة تتيح اختبار الشعارات الديمقراطية على أرض الواقع، وكشف التناقضات بين الخطاب الرسمي والممارسة السياسية. وينطلق في ذلك من تجربة حركة حماس الجزائرية، مستحضرا مسيرة الشيخ محفوظ نحناح، وما يصفه من عقبات واجهت الحركة في محاولاتها العمل السياسي العلني والمنافسة الانتخابية.

كما يربط الكاتب بين المشاركة السياسية ومواجهة الإقصاء، ويجادل بأن الحركات الإسلامية، من وجهة نظره، تستطيع من خلال الانخراط في المؤسسات المتاحة أن تدافع عن حضورها وحقوق أنصارها، وأن تختبر مدى التزام الأنظمة بقواعد التعددية والتداول على السلطة. ويضع هذه التجربة في سياق أوسع من الصراع حول الهوية والشرعية السياسية وحدود قبول الاختلاف.

ويأتي المقال بوصفه مرافعة فكرية عن جدوى المشاركة السياسية في مواجهة الإقصاء، وقراءة من داخل رؤية الكاتب لتجربة الإسلام السياسي في الجزائر والمنطقة العربية؛ وهي رؤية تفتح، في الوقت نفسه، باب النقاش حول حدود المشاركة في الأنظمة المقيدة، وشروط استقلال القرار السياسي، والعلاقة بين المرجعية الإسلامية ومبادئ المواطنة والتعددية الديمقراطية.

سياسة المشاركة

لقد اجتهد بعض زعماء الحركات الإسلامية في الساعة الراهنة السياسية بعد تجربة الربيع العربي بكل ألوانه وبداياته المشرقة البديعة ونهايته الماساوية والخيانية المريعة والفظيعة بدأ بالجزائر وفلسطين وتونس ومصر في الأولين وانتهاء بليبيا واليمن وسوريا في الآخرين.. اجتهدت تلك الحركات في اعتماد سياسة المشاركة مع الحرص الشديد على صلاة العصر في بني قريضة، التزاما بتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم الذي حثّ فيه المؤمنين على الاجتهاد، وعملا بحديثه الشريف أيضا القائل بأن: “الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.. (إلى آخر الحديث،) واعتقادا بأن الله سبحانه وتعالى يحاسب العباد ويكتب لهم الثواب والعقاب على أعمالهم بناء على مقاصدهم ونياتهم التي لا يعلمها إلا هو.. (إنا خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)) .

فإن مجرد وجود الثواب للمجتهد المخلص في نيته وقصده سواء كان صائبا أو مخطئا، يدل على أن النية هي الأساس عند الله في جميع الأفعال الاعتيادية المباحة ناهيك عن الواجبات المتعلقة بالمسائل الملزمة كالجهاد بأوسع معانيه ، والصلاة التي هي أم العبادات وسيدة الواجبات، فضلا عن وجوب النية في النوافل الأخرى والمستحبات…!؟

وإن هذا التنبيه الإلهي يدل ـ ضمنيا فيما يدل ـ على أن ما قد يظهره الإنسان من مواقف أو تصرفات أو سلوكات، أو ما يقوم به من أفعال في أي مجال، قد يناقض ظاهرها المكشوف باطنها الملفوف، ومثلما وجد النفاق في التظاهر بالتقوى والصلاح، وجدت التقية ومراوغة الأعداء في جبهات القتال والنزال، والحرب خدعة (كما ورد في الحديث الشريف !؟)
ولا أحد يجادل في أن المعارك الضارية التي تخوضها الأمة في الساحة والساعة الراهنة دفاعا عن العقيدة والوجود والهوية، كما هي أقصى وأخطر من حروب السيف والمدفع التقليدية المعبر عنها أحياناً بالجهاد الأصغر..
وإذا كان المؤمنون ملة واحدة والشيء بالشيء يُذكر لوجود الشبه والتقاء الهدف، فإن مثالا حيا لما نريد أن نوضحه في هذا السياق هو ما صرح به رئيس المخابرات الإسرائيلية (شافاك) يوم 17 أفريل (سنة 2005) بما نصه حرفيا : «إننا نفضل أن نجابه حماس العسكرية على حماس السياسية، لأن حماس السياسية تكشفنا أمام العالم وتسحب منا ورقة محاربة الإرهاب…». وللمقارنة فكم من استفزاز تعرضت له حماس الجزائر من القمة إلى القاعدة، ومن ظلم وقع عليها حتى في تغيير الإسم! وكم من شهيد قدمته على مذبح الحق والعدل والحرية لتفويت الفرصة على المتربصين بالإسلام في هذا الوطن لإفشال مشروعه الدعوي والتربوي والنهضوي، والعودة به إلى موقف الدفاع عن النفس بالتي هي أخشن أو أحسن، وإلهاء أهله بمعارك ثانوية وتهم ملفقة باسمه لصالح أعدائه الحقيقيين وأصدقائه المزيفين !!

أمام هذا الوضع الشاذ الذي صار فيه البريء متهما، والمتهم الحقيقي بريئا وحاكما بأمره لا معارض لرأيه، فكان لا بد للقائد المسؤول في هذه الحالة أن يُعيد ترتيب الأولويات وهيكلة الصفوف حسب الظروف المفروضة على الساحة الوطنية السياسية والأمنية… وإن الظروف كما هو معروف مهما تكن قاهرة أو قاسية، فهي تستطيع أن تكيف العلماء والحكماء والزعماء، ولكنها لا تقهرهم (على رأي الإمام عبد الحميد بن باديس) ولا تُفقدهم بوصلة السير والهداية مهما تكثّف الغمام واشتد الظلام أمام أعينهم.. فأفحموا الخصوم بمنطقهم، وواصلوا إسماع صوتهم بكل الوسائل المتاحة لهم لإظهار الحق وإرجاعه إلى نصابه، وفضح التزوير والتزييف وإبطال تهم التجريم الملفقة ضدهم بإرجاع الكرة إلى ملعب خصومهم، ورد سيوفهم أحيانا إلى نحورهم !! وهكذا تمكن قائد حماس الجزائر بانتهاج سياسة التكيف مع الظروف المستجدة للتغلب عليها بالمشاركة والمصابرة والمطالبة بالحقوق المصادرة، والمثابرة عليها بدل المغالبة والمغامرة التي قد تدفع إلى مخاطرة غير مضمونة العواقب، للوقوع في شراك مدبرة بليل بهيم مثل مناورة أو مؤامرة المروحة اللعينة التي نفذها القنصل الأول (دوفال) ضد الداي حسين في العهد القديم !!؟؟

وكم عض المتآمرون (كما تعلمون ) أناملهم من الغيظ على كل من فوت عليهم فرصة تحقيق أغراضهم وإشفاء غليلهم، ممن صابروا واحتسبوا وتقبلوا البلية وتحمّلوا الأذيّة في أجسادهم وأرزاقهم في سبيل الدفاع عن دينهم والإبقاء على جذوة الإيمان وصوت الآذان في ربوع بلادهم خارج التليفزيون وخارج بعض الإدارات والسجون والمعتقلات وما تبقى من مساجد ومصليات في بعض المراكز الجامعية والمدارس العليا وبعض الثكنات العسكرية !!

وهو وضع عايشه جسدا وروحا بعض القراء لهذه الصفحات او نقل إليه من الذين يدلون ببعض الشهادات عن السجون والمعتقلات!؟
وقد ذكًرنا ذلك التصرف اللئيم في الزمن العقيم والعذاب الأليم بما وقع لبعض المؤمنين المستترين في مكة ما بين الهجرة النبوية والفتح المبين !!
وإذا كان من الطبيعي أن يتعارض التقاء الكفار مع المهاجرين والأنصار، على حب أو كره أو فعل أو تحقيق هدف واحد… فإن ما لا يقبله العقل السليم هو أن يحدث ذلك دون أن يكون في الأمر خلل أو خدعة أو جهل يؤدي إلى خدمة أحد الطرفين على حساب الطرف الآخر، ولقد علمتنا الأيام، وحتى يثبت العكس، أن حسن الظن والانخداع بمكائد الأعداء غالبا ما يكون على حساب المؤمنين الذين يُخدعون بالله فينخدعون بألاعيب أعداء الله في دنياه.!؟

ومن الأمثلة الكثيرة على فقدان الثقة وانعدام الرضى على الأنصار والمهاجرين من أحزاب الرفقاء والخفراء إلا نفاقا ورياء وسعيا لشق صفوف المسلمين بتجديد معركة صفين لضرب بعض الأنصار ببعض المهاجرين لصالح الأغيار المتربصين !!؟؟..

نورد هذه الحالة الموثقة التي تطبع سلوك هؤلاء الأخيرين (المتربصين)، وتظهر مدى تناقض أفعالهم مع أقوالهم، هوذلك المنشور الوزاري (السري = الداخلي ) الذي يمنع تداول قاموس صغير يتضمن صورا لبعض الشخصيات الوطنية، وضعت حسب الحروف الأبجدية، من ضمنها الشيخ محفوظ نحناح (رئيس حركة حماس الجزائر في حرف النون كما اذكر !؟) وكان الشخصية العلمية والسياسية الوحيدة الموجودة على قيد الحياة في ذلك الوقت ضمن الأسماء المنتقاة من واضع القاموس، وهو ما كان وراء إصدار التعميم السري المذكور ، الذي وردت فيه عبارة الوزير القائلة حرفيا : “وبهذه المناسبة لا يفوتني أن أذكركم بأن من بين صلاحيات وزارة التربية الوطنية الأساسية -سيما في الظروف الراهنة ممارسة الرقابة الصارمة على كل المنشورات والمؤلفات التي يقع تداولها داخل المؤسسات التعليمية العمومية، حتى تضمن بقاءها بعيدة عن كل الصراعات التحزبية والضغوطات السياسوية من أي نوع كانت” وقد أطلعني الشيخ محفوظ نحناح شخصيا على هذه الوثيقة التي حصل عليها من رجل في الوزارة ذاتها يكتم إيمانه، وكان ذلك بعد رئاسيات 1995م التي كادت أن توصل الشيخ إلى سدة القيادة ، كما هو معلوم، لولا التلاعب المشؤوم في صناديق الانتخاب المظلوم، تحت قانون الطوارئ، وفرض الأمر (التزويروقراطي )الواقع، المصادر لحق الأمة في تطبيق المنهج (الشوراقراطي) الناجع في قيادة وسياسة الرعية بدون نزوات شخصية أو عصبية قبلية أو مصلحة جهوية أو شماعة خشبية لتعليق المصالح الفردية !!؟؟أو فزاعة تخويفية بالإرهاب والمؤامرات الأجنبية (قميص عثمان الضحية!!؟؟…)

وأشهد أن الشيخ الرئيس كان في غاية التأثر من ذلك التصرف الغريب والمريب، وقد ختم حديثه معي عن المنشور المذكور معلقا، رحمه الله، بما معناه: كيف يمكن التعامل المزدوج مع سياسة قيادتها العليا ترشحني لرئاسة الجمهورية، ووزير في حكومتها يمنع صورتي من التداول في وسيلة مدرسية، وهو ما ينم عن مدى الخلل والتضارب الذي يطبع سلوك ومواقف بعض رجال الظل وأصحاب القرار من أقصى اليمين وأقصى اليسار، ولا شك أن هؤلاء هم الذين منعوه من الترشح في الرئاسيات التالية (سنة 1999 )وأقعدوه عن الجهاد (ورقيًا)، لما تأكدوا من مصداقيته الشعبية في المرة الماضية، وكفاه شهادة شرفية لجوؤهم في ذلك إلى تغيير مادة في الدستور الجديد من أجل هذه القضية !؟
لقد ظل يسوء ويفزع هؤلاء الرجال طوال سنوات الاستقلال وإرهاصات الصحوة ونجاح الدعوة … أن ينتشر الوعي بالذات والهوية، الذي يقطع الحبل السري الذي ظل وما يزال يربطهم بالوالدة الفرنسية التي وضعتهم بطريقة قيصرية سنة 1962، !!!?? فهالهم أن يروا أهداف نوفمبر تتحقق وبناء صرحهم في الجزائر يتهدم وأصنامهم تتحطم ودين الحق ينتصر ويتقدم على الكفر العلماني الذي لا ناصر له من السماء، ومن ينصر الله فلا غالب له في الأرض…!؟

ولإجهاض هذا النصر المحقق والملموس في كل اختبار أو اختيار خال من شوائب أو مصائب التزوير والإجبار… ابتكر هؤلاء الزعماء والخفراء الذين ليس لهم من الوطنية والديمقراطية إلا الوصف او الاسم (الرسمي )الخالي من أية مصداقية شعبية أو رصيد علمي، فانطلقوا من هذه التسمية الوهمية لتصنيف وتقسيم بقية الأحزاب السياسية إلى “وطنية” (وتعني في عرفهم الأحادية الحزبية التي انتهت صلاحيتها مع استعادة الجزائر أوراق جنسيتها سنة 1962) و”إسلامية” (وتعني في حسابهم الإقصائي أنها تقع على طرفي نقيض مع الديمقراطية والوطنية)، ونصبوا أنفسهم بكل صفاقة ووقاحة وكلاء وأوصياء على الشعب الجزائري في احتكار الدفاع على الديمقراطية دون إذنه ضد الدكتاتورية الوطنية “النوفمبرية” أو الإرهابية الإسلامية التي نحتوا لها اسما في الجزائر العربية المسلمة وأدخلوه لأول مرة في قاموس اللغة الفرنسية تحت مصطلح “الأصولية البعثية “على غرار المفهوم الهلامي للإرهاب الإسلامي في السياسة الأمريكية والصهيونية الحالية !!

وهنا تظهر قيمة واستراتيجية المشاركة السياسية لحماس الجزائرية قبل حماس الفلسطينية، لأنها حاربت وكشفت أدعياء الديمقراطية اللفظية بالديمقراطية الفعلية.. التي تحترم اختيار الشعب وتطبق كل مواد الدستور بدون انتقاء أو استثناء أو إقصاء، أو الكيل بمكيالين والحديث بلسانين والمقابلة بوجهين وسلوك طريق «ويل للمصلين »في السياسة والثقافة والدين، فكانت حماس الجزائر بحق أول من يكشف أوراق الزيف الديمقراطي والشعبي والوطني والعلماني لهؤلاء الزعماء “الأدعياء”، ففضحت ادعاءهم ونفاقهم واحتكارهم بذكاء !! فطبقت الديمقراطية والشفافية مع نفسها في صفوفها، وتحدتهم بها في الميدان، فارتبكوا وأخلفوا واستبدوا وأقصوا وزيفوا، ولولا المشاركة السياسية لحماس (في البلدين )ما عُرفوا وانكشفوا، لأن الأشياء بنقائضها تُعرف، وبالمشاركة في الصناديق الشفافة وفي لقاءات وندوات الصحافة أدرك الشعب الزيف من الحقيقة، والحقيقة من الخرافة، والفلكلور من الثقافة، والنور الرباني من الجهل والظلام العلماني وألخياني !!
لقد بنى أعداء النور وناشرو الظلام كل حساباتهم في محاربة الإسلام وإقصاء أهله من الميدان السياسي بالمراهنة على دفعهم إلى التشبث بموقفهم العدائي من الديمقراطية والميثاق والدستور والتداول على السلطة وقبول الآخر والاحتكام معه إلى الصندوق..
فجاءت المشاركة السياسية لتحبط كل مخططاتهم وتكشف كل أوراقهم وتفضح مناوراتهم من حيث لم يكونوا ينتظرون، فحاربتهم حماس ومثيلاتها بسلاحهم في ميدانهم وسايرتهم في ادعائهم الشعبي والمدني إلى أبواب ثكناتهم، وناقشتهم بمنطقهم على الطريقة “الصقراطية “حتى أظهرتهم على حقيقتهم دعاة للدكتاتورية وكفّارا بالديمقراطية الحقيقية، فضلا عن “الشوراقراطية”، وأظهرت لهم عكس ما تخيلوا بغبائهم في غرمائهم، الذين لقنوهم أروع الدروس في فن السياسة والكياسة تنظيرا وتطبيقا، وبينوا لهم بالملموس أن احتكار هذه التسمية أو تلك وخلعها على البعض ونزعها من البعض هي خطأ وخلل ينافي أي عقل سليم أو منطق قويم، ذلك أن احتكار صفة “الديمقراطية” و”الجمهورية” و”الوطنية” وقصرها على هذا التنظيم السياسي دون ذاك معناه أن الوطني غير ديمقراطي وغير جمهوري، وأن “الإسلامي” غير جمهوري وغير ديمقراطي وغير وطني، في حين أن هذه الصفات في الحقيقة هي قواسم مشتركة بداهة بين جميع الأحزاب المعتمدة رسميا في البلد الواحد وبمقتضى الدستور الواحد ، ذلك أن هذه الصفات ليست برامج سياسية ولا يمكن أن تكون كذلك إلا إذا كان هناك في الساحة السياسية أحزاب خائنة مقابل (الوطنية) وأحزاب تدعو إلى ا لملكية (مقابل الجمهورية)، وأحزاب تدعو إلى ا لاستبداد (مقابل الديمقراطية).
وتبقى الصفات التي تخلع على هذا التنظيم أو ذاك “كالإسلامية” و”الملائكية” و”الاشتراكية” و”الاجتماعية” و”الليبيرالية” تنصب على البرامج الحزبية التي تدخل ضمن المتغيرات السياسية وليس ضمن الثوابت الدستورية الوطنية والديمقراطية والجمهورية، مع الإشارة هنا إلى أن صفة أو نسبة “الإسلامي” آنفة الذكر ، تنصب على البرنامج الحزبي وليس على الدين في ذاته، لكون الجميع يدعون أنهم مسلمون، (نظريا على الأقل بمقتضى المادة الثانية من الدستور)، مثلما يجب أن يعتبر الجميع وطنيين (نظريا على الأقل)، بحكم القانون العضوي الذي يمنع الخائن أن ينشئ أو يتزعم حزبا سياسيا ، وأن صفة أو نسبة “الوطنية” و”الوطني” المقصودة هنا أيضا هي تعني الولاء للوطن وثوابته والتضحية في سبيل دعم سيادته واستقلاله، وليس المعنى الشوفيني العرقي المتحجر الذي عبر عنه (فرانسوا متران مرة أمام شركائه في الاتحاد الأوروبي بقوله: “الوطنية تعني الحرب ” حيث تصير الوطنية بهذا المفهوم الجاهلي أو القبلي أو العروشي أو العصبي والعنصري الهتلري رذيلة بدلا من أن تظل فضيلة كما عرفناها في ادبيات الحركة الوطنية طوال كل سنوات الكفاح والنضال السياسي والمسلح ضد الاحتلال ..
وفيما عدا ذلك يجب ان تبقى جميع الأحزاب (المعتمدة رسميا ) مشتركة دستوريا وقانونيا وملتقية سياسيا ووجوديا في الثوابت “الوطنية” و”الديمقراطية” و”الجمهورية” ومختلفة في البرامج والمتغيرات فقط، وهو الأمر الوحيد المخول لها دستوريا بحكم المبدأ التعددي ذاته، وهنا يظهر خطأ وخلل وخبل اولئك المغالطين الذين يريدون أن يوحوا لنا بكل ما خططوا وخربوا وتآمروا، وانقلبوا وظلموا واتهموا وضربوا وبكوا ، وزوّروا واشتكوا وروجوا الدعايات ورفعوا الشعارات في كل الساحات لإقناع الناس بالباطل وبكل الوسائل …بأن الإسلاميين غير وطنيين وغير ديمقراطيين.

ولا شك أن هذا الاتهام والادعاء لا يعادله في الخطإ والغباء والتلاعب إلا اعتبار كل أبطال الثورة الجهادية في الجزائر وفلسطين غير مسلمين، وهو أمر يبعث على الشفقة والدهشة والرثاء لجهلهم المطبق ومنطقهم الأخرق وسوء ظنهم المطلق!!!؟..

وذلك أن الديمقراطية والوطنية في عرف السياسة والكياسة هي سلوك وفعل وليست حكرا على تنظيم سياسي دون غيره، ويبقى الفرق (في أسوء الأحوال) بين من يسمى بالإسلامي والوطني في الجزائر وفلسطين وفي كل مكان تحت الشمس هو التقوى والعصيان، وبين الإسلامي والعلماني هو الكفر والإيمان، وليس الفرق بينهما هو الديمقراطية أو الوطنية أو الجمهورية بأي حال من الأحوال !!؟؟
إذا كان الوصول إلى السلطة هو سبب وغاية وجود أي تنظيم سياسي في إطار القانون، فإن القانون نفسه أقفل جميع الأبواب ما عدا باب المنافسة الحرة والإقناع بالتي هي احسن لاستقطاب الأتباع، وصناديق الانتخاب لتصفية الحساب بين الخصوم دون انقلاب أو انسحاب، ومن ثم تصبح المنافسة ضرورية من كثير من الوجوه، ومن بينها تلك التي تخدم مصلحة هذه الأمة، وهذا الوطن وحيثما كانت المصلحة فَثَمَّ شرع الله، كما قال إبن القيم، ومن هنا كانت من فوائد المشاركة السياسية هي استعمال القانون المتاح في بعض صوره وأدني درجات تطبيقه المسموح بها من الحاكمين لبعض اصحاب الحظوة من المحكومين !!

وهذا مثال واحد لمجال واحد نورده هنا للاعتبار والقياس به أو عليه، ما لم يذكر من المجالات الأخرى التي تُسقى من ماء واحد، ولكنها تختلف اختلافا جوهريا في الشكل والطعم واللون والرائحة!!؟؟

وذلك في رأينا هو نموذج واحد ومثال راهن لفائدة الإسلام السياسي والمشاركة الفعالة في إطار الممكن المسموح به للحركات الإسلامية في بعض البلاد (الشبه ديمقراطية )التي تسمح بالتعددية السياسية ومشاركة الأحزاب والحركات الإسلامية (ولو صوريا ونسبيا بمقادير وحسابات مدروسة )للاستعراض والاستظهار بها في الأوساط الدولية ولتضعها بذلك التقنين والتقييد تحت المراقبة المجهرية المستمرة للتحكم فيها والحؤول (بقدر الإمكان) دون رجوعها إلى النشاطات السرية تحت الطبقات الأرضية المستعصية على أعين الدولة المدنية والعسكرية. !؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى