24 ساعةأحزابأخبار إقليم الجديدةالواجهةعالم السياسةلحظة تأمل

هكذا عرفت فاطمة الزهراء المنصوري …

ليس بالضرورة أن ننتظر المناصب الكبرى أو الأضواء الساطعة حتى ندرك بعض ملامح الشخصيات التي قد يكون لها شأن في الحياة العامة. أحياناً، تكفي لحظة عابرة، أو لقاء لم نخطط له، حتى يترك شخص ما في ذاكرتنا انطباعاً لا ندرك قيمته الحقيقية إلا بعد مرور السنوات.

في حدود عام 2020 أو 2021، وفي أحد الصباحات الهادئة بمدينة الجديدة، كنت جالساً رفقة صديق لي في مقهى « Les terrasses»، نحتسي قهوتنا ونتبادل أطراف الحديث، في أجواء عادية لا توحي بأن تفاصيل ذلك الصباح ستعود يوماً إلى الذاكرة.

في مكان غير بعيد عنا، كانت سيدة تجلس رفقة بعض صديقاتها في حوار عابر، تتحدث معهن بنبرة هادئة وواثقة. لم أكن أتابع تفاصيل الحديث، لكن حضورها القوي وشخصيتها اللامعة، إلى جانب أسلوبها في الكلام وطريقة إدارتها للنقاش، كلها أمور جعلتني أدقق النظر فيها وأتأملها لحظات.

في تلك الفترة، لم تكن المنصوري قد عادت بعد إلى رئاسة المجلس الجماعي لمراكش، وهو المنصب الذي ستستعيده لاحقاً سنة 2021، لكنها لم تكن، في المقابل، اسماً بعيداً عن المشهد العام. فقد كانت قد راكمت تجربة سياسية وانتخابية مهمة، بعدما ترأست المجلس الجماعي لمراكش في مرحلة سابقة، وانتخبت عضواً بمجلس النواب لولايتين، كما كانت حاضرة داخل حزب الأصالة والمعاصرة وفي النقاش السياسي والإعلامي الوطني.

كنت أتابع بعض محطات مسارها، ولذلك لم يكن اسمها غريباً عني. لكن ما لفتني في ذلك الصباح لم يكن فقط ما أعرفه عنها من خلال السياسة والإعلام، وإنما الانطباع الذي تركته في تلك اللحظة من خلال حضورها القوي وشخصيتها اللامعة وطريقة حديثها وثقتها بنفسها.

التفتُّ إلى صديقي وقلت له بصوت خافت : «هل تعرف تلك السيدة؟» … أجابني بالنفي … فقلت له : «إنها فاطمة الزهراء المنصوري. أعتقد أن لها مستقبلاً سياسياً مهماً، وقد نراها يوماً في مسؤولية حكومية أو في موقع تدبيري كبير.»

لم يكن كلامي آنذاك ادعاءً بقراءة المستقبل، ولا مبنياً على معرفة دقيقة بكل تفاصيل مسارها السياسي. كان ببساطة انطباعاً شخصياً تشكل من اجتماع أمرين: شخصية سياسية كنت أعرف بعضاً من مسارها، وانطباع مباشر تركه حضورها القوي وشخصيتها اللامعة في تلك اللحظة.

ولعل الإنسان لا يدرك قيمة بعض الانطباعات إلا بعد أن تمنحها السنوات معنى جديداً.

دارت الأيام دورتها، وتغيرت مواقع الأشخاص ومسؤولياتهم. عادت فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة المجلس الجماعي لمراكش سنة 2021، وتولت بعد ذلك مسؤوليات حكومية وحزبية، واستمر اسمها في الحضور بقوة في المشهد السياسي الوطني.

ثم جاءت اللحظة التي أعادت إلى ذاكرتي ذلك الصباح في الجديدة.

استحضرت الواقعة مع الصديق نفسه، وقلت له مازحاً:

«هل تتذكر ذلك الصباح في مقهى Les terrasses بالجديدة، عندما أشرت لك إلى فاطمة الزهراء المنصوري وقلت لك إنني أستشعر من خلال حضورها القوي وشخصيتها اللامعة أن يكون لها شأن كبير في المستقبل؟»

ابتسم وقال إنه يتذكر ذلك اليوم جيداً، بل إنه يتذكر تفاصيل الجلسة والنقاش الذي دار بيننا آنذاك.

ثم ختم كلامه، ضاحكاً، بعبارة لطيفة:

«لقد تفوقت في نبوءتك على ليلى عبد اللطيف!»

ضحكنا، لكن خلف تلك الدعابة بقيت مفارقة جميلة: لحظة عادية جداً من الماضي أصبحت، بعد سنوات، ذكرى تحمل معنى مختلفاً.

واليوم، وقد حظيت الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري بالثقة الملكية لتولي رئاسة الحكومة، فإنني لا استعيد تلك الواقعة لأقول إنني كنت أعرف مسبقاً إلى أين سيقودها مسارها السياسي، وإنما لأن بعض الشخصيات، بفضل حضورها القوي وبصمتها اللامعة، تترك فينا، منذ اللقاء الأول، انطباعاً يصعب نسيانه.

ومن موقعي كمواطن مغربي، لا يسعني إلا أن أتقدم إليها بأصدق متمنياتي بالتوفيق والسداد في هذه المسؤولية الوطنية الكبرى والمهمة الصعبة، وأن تكون تجربتها الجديدة في مستوى حجم الثقة الملكية الممنوحة لها، وأن توفق في خدمة الوطن والاستجابة لتطلعات المغاربة.

أما أنا، فسأظل أتذكر ذلك الصباح البعيد بابتسامة؛ حين لفتت انتباهي سيدة كانت حاضرة بالفعل في المشهد السياسي والإعلامي، لكنني شعرت، في تلك اللحظة العابرة، أن حضورها القوي وشخصيتها اللامعة ينبئان بأن مسارها لم يقل كلمته الأخيرة بعد، وهو ما نراه اليوم جلياً على أرض الواقع.

هكذا عرفت فاطمة الزهراء المنصوري…

نظرة عابرة لبريق شخصية وحضور آسر في مقهى هادئ بمدينة الجديدة، أعاد الزمن إليها اليوم معنى مختلفاً.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى