200 كيلوغرام من الكوكايين بسطات.. من أين جاءت الشحنة وإلى أين كانت تتجه؟ خيوط التحقيق تفتح أسئلة أكبر
بقلم الصحفي خطوط النواصر

لم تكن عملية حجز ما يقارب 200 كيلوغرام من الكوكايين على مستوى الطريق السيار بسطات مجرد عملية عادية مرتبطة بحيازة المخدرات، بل تحولت منذ لحظة اكتشاف الشحنة إلى ملف يطرح أسئلة أكبر حول مصدر هذه الكمية الضخمة، والمسار الذي سلكته قبل الوصول إلى سطات، والجهة التي كانت تنتظر تسلمها.
ووفق المعطيات المنشورة، تمكنت عناصر الدرك الملكي من ضبط الشحنة داخل سيارة من نوع «بيكوب»، في حين تشير رواية صحفية أخرى إلى أن المركبة كانت محملة بالأفرشة المنزلية، قبل أن يكشف التفتيش عن المخدرات، ليتم توقيف المعني بالأمر وحجز السيارة والشحنة وفتح بحث قضائي تحت إشراف النيابة العامة المختصة.

المعطى الأكثر أهمية في هذه القضية هو أن مصدر الكوكايين لم يتم الكشف عنه رسمياً إلى حدود نشر هذا التحقيق. فالمصادر التي تناولت العملية تحدثت عن أبحاث ترمي إلى تحديد مصدر الشحنة ووجهتها وكشف باقي الامتدادات المحتملة، لكنها لم تحدد دولة أو ميناء أو منطقة بعينها باعتبارها مصدر الكوكايين. وهذه النقطة تفرض التعامل بحذر مع أي منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تزعم أن الشحنة جاءت من بلد محدد، لأن مثل هذه المعطيات لا يمكن اعتمادها صحفياً قبل تأكيدها من مصدر رسمي أو قضائي موثوق.

وتزداد أهمية السؤال حول المسار عندما يتعلق الأمر بكمية تقارب 200 كيلوغرام، وهي كمية تجعل فرضية الترويج الفردي المحدود أقل اتساقاً مع حجم الشحنة، وتدفع التحقيق إلى البحث في احتمال وجود سلسلة من المتدخلين، ابتداءً من مصدر الشحنة وصولاً إلى الناقل والجهة التي كانت ستتسلمها. غير أن هذا لا يعني، في حد ذاته، أن العملية مرتبطة بشبكة دولية بعينها، لأن إثبات ذلك يحتاج إلى نتائج البحث القضائي والمعطيات التقنية والميدانية التي لم يتم الإعلان عنها بعد.
أما سيارة «البيكوب»، فتشكل إحدى النقاط التي يمكن أن تحمل أهمية كبيرة في فك خيوط الملف. فإذا تأكد أنها كانت تستعمل لنقل الأفرشة المنزلية كغطاء للشحنة، فإن المحققين سيحتاجون إلى تحديد مالك المركبة، مستعملها الفعلي، نقطة انطلاقها، الأماكن التي توقفت بها، والأشخاص الذين تعاملوا معها قبل الوصول إلى سطات. كما أن المعطيات المتعلقة بالاتصالات والتحركات، في حال كانت ضمن إجراءات البحث القضائي، يمكن أن تساعد في تحديد ما إذا كان الموقوف يتحرك بمفرده أم كان على اتصال بأشخاص آخرين.
وتطرح العملية كذلك سؤالاً حول ما إذا كانت سطات مجرد نقطة عبور ضمن مسار أطول، أم أن الشحنة كانت موجهة إلى المنطقة نفسها. فالطريق السيار يجعل المدينة ومحاورها الطرقية نقطة استراتيجية للحركة بين عدد من مناطق المملكة، وبالتالي فإن مكان الضبط لا يعني بالضرورة أنه مكان دخول المخدرات إلى المغرب، ولا يكشف بمفرده عن الوجهة النهائية للشحنة. وهذه مسألة لا يمكن حسمها إلا من خلال التحقيقات التي قد تكشف نقطة الانطلاق والمسار الذي قطعته السيارة قبل توقيفها.
وتكتسب هذه الفرضية أهمية إضافية عند مقارنتها بعمليات أخرى شهدها المغرب خلال الفترة الأخيرة، حيث سبق تسجيل قضايا مرتبطة بالكوكايين في جهة الدار البيضاء سطات وفي محاور طرقية وموانئ مختلفة. غير أن التشابه في نوع المخدر وحده لا يكفي للقول بوجود علاقة بين الملفات، ولذلك يبقى الربط بين عملية سطات وأي عملية سابقة بحاجة إلى قرائن مادية واضحة، مثل تطابق الأشخاص أو وسائل النقل أو طريقة الإخفاء أو الاتصالات أو مصدر الشحنة.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية في الملف هو: من أين جاءت الشحنة؟ حتى الآن لا توجد، في المعطيات المنشورة التي تم التحقق منها، إجابة رسمية عن هذا السؤال. ولذلك فإن أي حديث عن أمريكا اللاتينية أو غرب إفريقيا أو أي مسار دولي آخر يجب أن يبقى في خانة الاحتمالات التي يمكن أن يبحث فيها التحقيق، وليس في خانة الحقائق المؤكدة. فالصحافة الاستقصائية لا تبحث فقط عن الرواية المثيرة، وإنما تميز بين المعلومة المثبتة والاستنتاج والفرضية.
وفي المقابل، فإن حجم المحجوز وطريقة نقله يبرران طرح سؤال آخر لا يقل أهمية: إلى أين كانت ستذهب هذه الكمية؟ هل كانت موجهة إلى سوق داخلية، أم كانت مجرد محطة ضمن مسار آخر؟ وهل كان الموقوف هو الناقل فقط، أم أن البحث سيقود إلى أشخاص آخرين؟ هذه الأسئلة ستظل مفتوحة إلى حين ظهور نتائج التحقيق القضائي.
وبناءً على المعطيات المتاحة حالياً، فإن الصورة الأكثر دقة هي أن عملية سطات كشفت عن شحنة كبيرة من الكوكايين، وأسفرت عن توقيف شخص وفتح بحث قضائي، بينما لا يزال مصدر المخدر والوجهة النهائية وهوية باقي المتدخلين عناصر غير معلنة بشكل رسمي. ومن هنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة، لأن قيمة العملية الأمنية لن تقاس فقط بكمية المخدرات المحجوزة، وإنما بقدرة التحقيق على الوصول إلى الحلقة التي سبقت الشحنة والحلقة التي كانت تنتظرها.
خطوط النواصر
ويبقى الملف مفتوحاً على تطورات جديدة قد تكشف، خلال الساعات أو الأيام المقبلة، معلومات حاسمة حول مصدر الكوكايين والمسار الذي سلكته الشحنة والجهة التي كانت وراء العملية، وهو ما يجعل أي معطى جديد صادر عن الجهات الأمنية أو القضائية ذا أهمية بالغة في استكمال الصورة.




