الواجهة

الإيركات R4

العياشي ثابت يكتب :

كلما رأيت هذه الأنيقة البيضاء، تذكرت أول مرة ركبت سيارة أواخر الستينيات من القرن الماضي… كان ركوبا غير عادي، ممزوجا برائحة مقاعدها الجلدية السوداء التي أحتفظ بها في مكان ما من ذاكرة الشم إلى جوار رائحة الطباشير حين كنت أدخل الأقسام في مدرستي الابتدائية ورائحة المنشفات الملونة، ورائحة المداد البنفسجي، ورائحة المطعم حين كنت أتلذذ بوجبة التون أو وجبة العدس… كنت أحمل محفظتي وأقفل عائدا إلى منزلنا بعد انتهاء الحصص، أمشي الهوينى تارة، وطورا أهرول مثل حصان جامح… جانبت الطريق المتربة، واسترقت النظر إلى سيارة بيضاء قادمة نحوي، لمحت أبي يفتح الزجاجة الجانبية بجرها إلى الخلف، يخرج يده اليمنى، ويشير إلي أن اركبْ معنا… ارتبكت قبل أن أتوجه نحو السيارة، ثم وقفت مشدوها أنتظر أن يتولى صاحبها فتح الباب، فأنا لم أكن أعرف كيف يفتح باب السيارة، أنا الذي لم أعرف من قبل غير ركوب الحمير والبغال، وأعلى ما ركبت كان ذلك البعير الأبيض خلال فترة الحصاد، حين كنا نحمل على ظهره المحاصيل… مد السائق يده إلى الباب الخلفي مبتسما، فتحه ثم طلب مني الركوب مرحّبا، لم يكن السائق سوى ابن عمتي الأكبر عبد الله، ذاك الذي كان يعمل دركيا بالرباط ضمن فرقة الدراجات النارية… لكنه يزور قريتنا هذه المرة على متن سيارة الإيركات… وقد كانت فرصة نادرة أن أحظى بركوبها لأول مرة في حياتي… تهت بداخلها بين أشياء كثيرة، فكنت احول نظراتي بين رموز لوحة القيادة وأرقامها، وبين مقاعدها الجلدية السوداء المريحة، وبين زجاجها الشفاف الذي كنت أرى عبره أفواج زملائي التلاميذ المندهشين من رؤيتي داخل السيارة، أما أنا فقد كنت أطيل عنقي كي أكثر من الشهود على إنجازي العظيم… فغدا سوف أكون بينهم ذلك التلميذ المميز بركوب سيارة … لذلك لا أذكر من أجوبتي الشاردة على أسئلة ابن عمتي سوى أنني كنت أدرس في القسم الثاني… وصلنا منزل عمتي، أمرني والدي بالنزول، فنزلت مزهوا بنفسي كمن يغادر سلم طائرة تحت تصفيقات الجمهور… أما في ساحة المدرسة في اليوم الموالي فقد كنت محط أضواء مسلطة، بل إنني كنت في أعين أقراني ذلك المحظوظ الذي ركب سيارة، فكانوا يطرحون جملة من الأسئلة حول محتويات السيارة، وحول ما أحسست به أثناء سيرها ووقوفها، بل كان منهم من سألني قائلا: ما الأصعب في نظرك، ركوب البعير أم ركوب سيارة؟ كنت أجيب على أسئلتهم بكثير من التفصيل، خصوصا عندما لاحظت ملامح الدهشة والإعجاب على وجوههم… رجع ابن عمتي إلى عمله في الرباط، ونسي الأقران حكاية ركوب السيارة، لكنني لم أنس الأمر، خاصة عند المرور من مكان الركوب… لقد كانت لحظة فارقة، بل خارقة ، علمتني أن أعشق البدايات، أن أقهر دهشتها، أن أكون سباقا لتجربة أشياء كثيرة، كان أبرزها التطفل على كتابة قصيدة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى