مسرح الحياة في مواجهة مسرح الأموات.

عبد الكريم برشيد 
فاتحة الكلام
هو العيد اتى صباح الأمس، وكان اسمه عيد الفطر، ومعه جاء عيد اخر، وكان اسمه عيد الرببع، ومعهما جاء مولانا الفرح، ولا شيء اصدق من العيد إلا العپد، ولا شيء أبلغ من الفرح إلا الفرح، ولا شيء اغلى من ان تكون صناعتك هي صناعة ألفرح، وان يكون اغلى ما تهديه للناس في العيد هو.. الفرح
ولن تقول لكم بان فرح العيدين قد طرق ابواب القلوب، لماذا؟ لأن قلوب الصادقين والفرحين ليس لها ابواب، وهي قلوب شفافة، في اجساد وارواح شفافة، لها وجود متجدد في الساعات واللحطات الشفافة
وبالمناسبة فإنني اقول لكل من يعشق العيد، وكلنا يعشق العيد بالتاكيد، واقول لكل من يؤمن بالفرح وبالحق في الفرح، اقول لكل رفاقي واصحابي وإخوتي
ــ عبد مبارك سعيد، ودامت لكم الأعياد والأفراح والساعات المباح
الاحتفالي وشهادات الشهود:
في المقال السابق تحدثت عن فنانين مغاربة ذكرنا بهم احد رواد المسرحي، والذي هو العربي سلام، ولقد أعادنا إلى مدينة الخميسات، وهي تبدع وتفكر وتحاور، وتشاغب المعرفة بالمعرفة، وتجادل الفن بالفن وبروح الفن واخلاق الفن، في تلك المدينة التي كانت، في ذلك الزمن السبعيني من القرن الماضي، بحسب تعبير العربي سلام ( اثينا صغيرة)
لقد كنت سعيدا، ومازلت، لأننا مررت. اقمت بهذه المدينة وانا في اول الطريق، والتي خطوت فيهااول خطوتي، ولقد اهدتني هذه المدينة اجمل الأشياء افي حياتي وفي حياة مسرحي، لقد اهدتني الطريق، وأهدتني رفاق الطريق، واهدتني حلما بسعة الوجود، والذي هو الحلم الاحتفالي، واهدتني مشروعا بسعة التايخ، والذي هو المشروع الاحتفالي،
لقد اشتغلت في مدينة الخميسات استاذا، وما شعرت يوما بالأستاذية، ومع (تلاميذي) كنت بينهم دأئماتلميذا، كما اشتغلت مع أساتذة زملاء، كنت بينهم مجرد رفبق وصديق، وكنت مجرد طالب علم ومجرد طالب فهم، ولحد هذا اليوم، فمازلت ذلك التلميذ الذي يريد ان يعرف كل ما لا يعرف، وان يقتسم مع الاخرين كل ما يعرف، ولقد كانت الصناعة التي عشناها وعشقتنا وامنتة بها هي صناعة الإنسان المدني، في المجتمع المدني، وهي صناعة الإنسان الحر في المجتمع الحر، وهي صناعة الفرح في مجتمع الفرح، وقد عشنا زمن الفرح بصدق وبعفوية، ومن حقنا اليوم ان يعود بنا الحنين إلى البدايات المؤسية الأولى، وان نعتز بها، لأنه لا حقيقة لأي شيء، او لأية فكرة، ليس لها بداية تبدا منها، وليس لها ارض تقف علبها، وليس لها جهة تاتى منها، وليس لها قضية تترافع عنها
وليس لها مدرسة يتم التعلم فيها، وإن كل ما هو موجود، في هذا اليوم، قد جاء في من وجود سابق، وجاء من زمن سابق ومن حوار سابق ومن علاقات إنسانية سابقة، وعندما أكتب اليوم عن فلسفة الاحتفالية، فانا ملزم بان اتحدث، اولا واخيرا، عن ناريخها، وعن جغرافيتها، وعن الرواد الذين ساهموا في ايجادها، من ممثلين احتفاليبن ومن جمهور احتفالي ومن مناخ ثقافي احتفالي ومن زمن عشناه معا، وكان زمنا احتفالية بامتياز، وبالمناسبة فإنني أحيي مدينة الخميسات، واحيي ثقافتهم الاحتفالية والعيدية، واحيي كل الصادقين فيها
ولقد جاءتني كلمات من مدينة الخميسات، وتحديدا من رفاقي في مسرح الحياة وفي حياة المسرح، والذين اقتسموا معي الخبز والملح، واقتسموا نفس الطريق ونفس الافكار ونفس الافكار ونفس المواقف، واقف اليوم فقط على ثلاثة اسماء هي شوقي حمداني وعبد القادر بوعبيد وياسر عمريين, وهذا الثلاثي كان فاعلا ومؤثرا في تاسيس ( اثينا الصغيرة) وكان في تاسيس نهضة ثقافية حقيقية، وفي كلمته التي عقب فيها على مقالة العربي يقول شوقي حمداني، الممثل وبالمخرج والكتاب المسرحي والسينمائي ما يلي:
(فعلا صديقي العربي، عبد الكريم برشيد الفنان، الكاتب والمخرج المسرحي، كان استاذنا الأول، على يديه تعلمنا ابجديات المسرح ومعه طورنا مؤهلاتنا في الميدان على جميع المستويات، احييك الصديق سلام على النبش في التاريخ الثقافي المشرق لمدينة الخميسات)
اما عبد القادر بوعبيد، الممثل والإطار الإداري في وزارة الشبيبة والرياضية، واحد الذين لم يكن لهم في نفوسهم إلا المسرح، فقد قال في تعبيره على نفس المقالة ما يلي:
(تحياتي للاخ العربي سلام وتحياتي القلبية للأستاد عبد الكريم برشيد رائدنا الأول في نشأة فرقة الطليعة بدايتها من دار الشباب الزرقطوني، وعرفت توسعا برواد جدد في الكنيسة، ثم عادت لدار الشباب الزرقطوني، ولقوة اكثر بعشاق آخرين، حتى اصبحت مدرسة ان صح التعبير ، وازدهرت أعمالها من الإقليمي الى الوطني وبعد شموخها بدت العد العكسي بظهور خوارج وتأسيس فرق اخرى، وانتهت الفرقة في صمت لا يعرفه إلا بعض أعضائها..المهم عاشت وتركت ارثا من الرواد وتاريخ اعمال فنية لا يمكن للتاريخ نسيانها بسهولة، وبصفة عامة الفرقة داخل جمعية النهضة الثقافية التي هي كيان معنوي له وجود قوي ومزعج لبعض المسؤولين..كانت تحتوي حركة نضالية من وطيين سياسيين تقدميين ..والحديث بقية، فلتحيا فعاليات تلك الحقبة ولكل من ساهم بها أو عاشها..تحياتي)
نعم، للحديث بقية، لأنه لا يمكن اختزال التاريخ في كلمات او في عبارات او حتى في كتب ومجلدات، واطلب من الذين عاشوا هذا التاريخ، والذين ساهموا في صناعته، ان يساهم ان اليوم في كتابته كتابة صادقة
أما الفنان ياسر عمريين، وقد كان احد مجانين تلمسرح، في زمن كان الكل يتنفس المسرح مع الهواء، فقد قال في تعقيبه ما يلي:
(من اين أبدأ؟ فلا الكلمات أو الجمل تستطيع أن تختزل تجربة كانت ولا زالت…هو شيخ المسرح …شيخ الكتاب….شيخ الاحتفاليين…كاتب مبدع يتقن آليات الكتابة المسرحية، و يعلم بخبايا الركح.. وأسراره…نصوصه تلتزم بتدق تفاصيل ابي الفنون…حصل لي شرف الاشتغال في عدة من مسرحياته…(العربة…منديل الأمان….فاوست والأميرة الصلعاء…الناس والحجارة..الزاوية
أما عبد الكريم كشخص أطال الله في عمره فمن اطيب خلق الله و قمة في التواضع و كما اقول دائماً الشخص و الفنان وجهان لعملة واحدة كل التقدير تحية فنية)
هذه صفحة من التاريخ، لن اقول طويناها، ولكن اقول اقول هي الورقة التأسيسبك الأولى، وسوف نعززها في القادم من الأيام والأعوام بأوراق اخرى، وذلك حتى يعلم الذين لا يعلمون بان هذه الاحتفالية لم تخرج من عدم، وانها جهاز مجاهدين وانها فكر مفكرين وانها فن فنانين صادقين
عين واحدة أمام عالم مركب هل تكفي؟
في البدء إذن، كانت الرؤية الاحتفالية، بسيطة وشفافة كانت تلك الرؤية، تماما كما كان هذا العالم بسيطا وشفافا وقريبا جدا من الفهم، وكان ذلك الرائي الذي كنت، والذي كنا، وكانت الكتابة أيضا، ومعها كان الكاتب، ومع هذا الكاتب كان القارئ الشريك، وهل يمكن أن يكون للكتابة معنى بدون وجود هذا الرفيق الذي نسميه القارئ؟ بالتأكيد لا يمكن
والأصل في هذا الكاتب الاحتفالي أنه شاهد على العصر، وأنه بذلك عين ترى، وأنه قلب يحس، وأنه عقل يعي، وأنه أذن تسمع، وأنه قلب ينبض بالحياة، وأنه مخيلة تتصور الصور، وتركب المشاهد والحالات، وأنه حدس يدرك الوقائع عن بعد بعيد، أما إذا وقعت هذه الوقائع في الوقائع، فإن الأمر يصبح من اختصاص الصحفي والإعلامي والإخباري والمؤرخ، وليس من مهام الكاتب المتنبئ ولا من مهام الفنان المبدع
وإنني، انا الاحتفالي، الشاهد والمشاهد، أومن إيمانا صادقا بأن هذا الواقع الاستثنائي اليوم، بكل تعقيداته وتشعباته الغامضة والملتبسة، هو أكبر وأخطر من أن تدركه عين واحدة، أو أن تحسه حاسة واحدة، أو أن يفسره علم واحد، أو أن يستوعبه فن واحد، أو يترجمه فكر واحد، وبهذا فقد كنت ملزما بان ابحث في وجهي عن عيون إضافية، وان ابحث في وقتي عن لحظات اضافية، وان ابحث في عمري عن ايام احتفالية إضافية.
المسرح الاحتفالي مسرح بلا قيود :
وبالنسبة لهذه الاحتفالية، الغنية فكريا وجماليا واخلاقيا، والمركبة تركيبا بنيويا محكما، وذلك في شبكة علاقاتها بشخص الممثل وبالمخرج وبالمتلاقي وباليوم العيدي وبالفضاء الاحتفالي وبزمانه وبسياقه، فإن أهم اخطر ما يميزها هو التالي، والذي هو أنها حرية في الروية وحرية في التفكير وحرية في التدبير وحرية الإبداع الادبي والجمالي
ولأن هذه الاحتفالية، في معناها الحقيقي، هي اساساسا حرية واستقلالة، فهي في إلداعاتها الميرحية، لم تأخذ بالمسلمات ولا بالبديهيات ولا بالتعليمات الإدارية ولا بالقواعد المدرسية ولا بالخطابات السياسية، ولا بالإكراهات الأيديولوجية، ولو أنها فعلت ذلك، ما كانت منسجمة مع فلسفتها القائمة على التحدي والتجاوز، أي تجاوز الكائن الموجود إلى الوجود الممكن، وهذا ما يجعلها تردد نفس الأسئلة القديمة، من غير أن تسلم بأجوبتها المدرسية الجاهزة والمعروفة والمتعارف عليها، ولقد حاولت دائما أن تعطي لكل الأسماء معانيها ودلالاتها الجديدة والمتجددة، ابتداء طبعا من كلمة الاحتفال، والتي حررتها من المعنى الفلكلوري، وابتداء من كلمة العيد، والتي أعطتها معانيها العلمية والفلسفية، بعيدا عن المعنى السطحي الشائع، ولقد تم ها انطلاقا من اعتبار أن التمثيل المسرحي هو مظهر عيدي، وأن الممثل هو بالضرورة كائن احتفالي
وتؤكد هذه الاحتفالية على السؤال الفكري أولا، وترى أن السؤال الأساسي في ( المنهجية المدرسية هو سؤال تقني دائما، ويمكن أن يختزل هذا السؤال في كلمة واحدة هي كلمة كيف، أي كيف نمثل ، ولكن الاحتفالية ـ باعتبارها أساسا فلسفة وجود وفلسفة حياة وفلسفة في الجمال ـ هي بالضرورة أكبر وأخطر من أن تكون مجرد تقنية آلية وكفى، ولعل هذا هو ما يفسر أن تكون أسئلتها أسئلة فكرية بالدرجة الأولى، وأن تكون هذه الأسئلة كثيرة ومتنوعة وحارقة ومتناسلة وشفافة وشاملة ومتكاملة وجديدة ومتجددة، وبخصوص المساهمين والمشاركين والفاعلين الأساسيين في إحياء الحفل المسرحي، نجد الاحتفالي يقف عند الأسئلة الاساسية التالية
ــ من هو هذا الذي نسميه المخرج المسرحي؟
بالتاكيد فإن هذا المخرج لا يمثل مع الممثلين، بل هو لا يرى اصلا، وقد لا يكون حاضرا ساعة العرض، وذلك بخلاف المايسترو في الأركسترا، والذي لا يعزف مع العازفين، ولكنه حاضر معهم، او امامهم
ويبقى ان نسال، ما هي حدود تدخلات هذا المخرج؟
ــ وهل يمكن ان يقف ( نفوذه) عند حدود الخشبة، ام إنه من الممكن ان يصل إلى الصالة ايضا، وان يكون ضابط ايقاع الاحتفال، وان يكون صانع طقسه وصانع مناخه العام أيضا؟
وعندما كان الأمر متعلقا بعرض مسرحي، او بفرجة مسرحية، لهما وجود في علبة تسمى العلبة الايطالي، علبة مغلقة ومغلفة بجدار وهمي يسمى الجدار الرابع، فقد كان ضروريا ان يكون دور هذا المخرج المسرحي دورا محدودا جدا، ولهذا فقد طرح المنظر الاحتفالي السؤال التالي:
ما الذي يمنع من ان يكون مخرج الاحتفال المسرحي جزء من هذا الاحتفال، وان يكون حاضرا في هذا الفضاء الاحتفالي، والذي ينبغي ان يكون فضاء واحدا وموحدا، وان تتكسر فيه كل الجدران الوهمية، وان يكون الزمان المسرحي واحدا، وان يكون المناخ المسرحي واحدا؟
وهذه أسئلة اخرى طرحتها الاحتفالية على نفسها، في إطار بحثها عن مسرح قربب من الحياة اليومية وقريب من الإنسان، وهذه الأسئلة هي:
ــ من يكون هذا الذي نسميه الممثل؟
ــ وهذا الذي يقوم به هذا الممثل المسرحي، في الاحتفال المسرحي، هل هو تمثيل ام هو تمثل، وهل هو حكي ام هو محاكاة؟
وهل يمثل ذاته الواحدة الكائنة، أم أنه يمثل ذواته الأخرى المتعددة والممكنة الوجود؟
وماذا يمكن ان يمثل هذا الممثل؟
هل يمثل الواقع والوقائ الظاهرة، أم يمثل الحقائق الخفية؟
ومن أجل ماذا يمثل هذا الممثل؟
من أجل قيم مادية نسبية أم من أجل قيم إنسانية، رمزية ومطلقة؟
وما هي مسؤولية هذا الممثل في ما يقوله ويفعله في الفضاء المسرحي؟
وما هي حدوده في مسرحه؟ وهل هو الفنان المبدع او هو الفنان المؤدي فقط؟
وهل يمكن لهذا الممثل أن يكون حرا إذا كان موظفا لدى الدولة، أوكان مجرد أجير لدى صاحب المقاولة المسرحية؟
وهل هذا الممثل مبدع أم مجرد تابع، يلقي المكتوب ويؤدي ما يمليه عليه المخرج؟
لا قواعد ولا قوانين في الاحتفال المسرحي:
في هذه الاحتفالية لا وجود لقوانين قمعية وزجرية، ولا وجود لأحكام نهائية، ولا وجود لتعاليم قبلية يمكن أن تفرض على الممثل المسرحي فرضا، وهي لا تلقن الممثل الحي في الحياة المسرحية أبجديات حيواته المفتوحة على كل الممكنات والاحتمالات، والفضاء المسرحي يظل على الدوام فارغا ومحايدا وقابلا لأن يكون كل شيء، وهي لا تقول للممثل مثل بهذا الشكل، ولا تمثل بأي شكل آخر، ولو فعلت ذلك لناقضت نفسها، ولخالفت مبادئها الأساسية القائمة على الحرية والتحرر، وعلى الحياة والحيوية، وعلى الشفافية والتلقائية، وعلى الاحتكام أساسا إلى سياقات اللحظة الآن ـ هنا، بكل ما فيها من حالات ومواقف، ومن أحلام وأوهام، ومن هذيان خلاق، ولعل هذا هو ما جعل هذه الاحتفالية ـ في بياناتها وأدبياتها ـ تركز أساسا على المبادئ العامة وحدها في مجال التمثيل، وجعلها تبتعد ـ بالقدر الذي تستطيع ـ عن الغوص في التفاصيل وفي الجزئيات وفي ( القوانين) التي يمكن أن تحد من حرية الممثل، ويمكن أن تنزلق بصدق الأداء المسرحي لديه نحو الآلية والتصنع، ونحو التكلف ونحو استظهار الدروس النظرية والمجردة الباردة، وبهذا نجد الاحتفالية تلتقي مع أوجينيو باربا الذي أكد دائما على أن التمثيل ( ليست له قواعد ثابتة، ولكنه بالمقابل له بعض ( المبادئ المتكررة، وله نصائح صغيرة) من كتاب ( الصدمة المزدوجة ــ المسرح والحداثة ) دائرة الثقافة والإعلام ـ الشارقة ــ
كل المسرحيات إذن، تشترك في نفس المبادئ العامة، وكل الممثلين أيضا يشتركون في هذه المبادئ المشتركة والمقتسمة، وبغير هذا، فإنه لا وجود للممثل الاحتفالي المبدع والخلاق، ولا للممثل الساحر والمجنون، ولا للممثل الذي يكون سيد نفسه وسيد عالمه، ويكون سيد لحظته المسرحية الحية، والتي لا أحد يملكها إلا هو، ولا أحد يمكن أن يحسها وأن يعيشها إلا هو، ولهذا تعول الاحتفالية أساسا على الممثل العبقري، وذلك من أجل أن يوجد لكل احتفال مسرحي ( منهجيته) الخاصة، ويوجد له طقسه ومناخه ولعبه وجده وهزله وكل مفردات لغته المسرحية الخاصة
والممثل الاحتفالي هو أساسا كائن بيني، له وجود بين عالمين متكاملبن، عالم واقعي واخر ما فوق واقعي او ما وراء واقعي، وهو بهذا وجود مركب، وهو هوية مضاعفة، وهو فيض حركات، وهو حزمة تحولات، وهو خزان ممكنات، وهو وجوه وأقنعة، وهو جسد وظلال، وهو أزياء وأدوار، ولهذا فقد كان أساسا حركة، وكان حياة وحيوية، وكان حرية وفعلا للتحرر، ولهذا فهو جسد ( مقيم) في السفر، وليس في أية محطة ثابتة، وماذا يمكن أن يكون التمثيل ـ في معناه الحقيقي ـ سوى أنه ( السفر الذهني، وهو السفر الوجداني والروحي، إنه الانتقال من هوية إلى أخرى، ومن حال إلى حال، ومن مقام إلى مقام، ومن مكان إلى مكان، ومن زمن إلى زمن، إنه العبور من ( الأنا) إلى الآخر، ومن الرجل إلى المرأة، ومن جسد الرجل إلى جسد الطفل، وهو أيضا انتقال من المواطن ( في وطنه) إلى الغريب، ومن المجسد إلى المجرد، ومن الشخص إلى الشخصية، ومن المتبع إلى المبدع، ومن اللحظة الآن إلى الزمن الذي كان، وأيضا إلى ذلك الزمن الآخر الممكن، والذي سوف يكون غدا، أو قد لا يكون أبدا) من نفس المرجع السابق
وميزة هذا الممثل الاحتفالي هو أنه لا يمثل، ولكنه فقط يحتفل، وهو مطالب بأن ينسى بأنه يمثل، وأن يجعل ضيوفه في الاحتفال المسرحي ينسون بأنه يمثل، وإذا شعرنا بأنه يمثل ( علينا) تسقط اللعبة من أساسها، ويصبح فعل الإقناع الفني صعبا ومستحيلا، ويصبح التكلف سيد الموقف، ومع وجود التكلف يغيب الصدق والمصداقية بكل تأكيد، ويصبح العقد المسرحي، بين الممثل والمتلاقي لاغيا.






