
بقلم: رشيد أفيلال العلمي الإدريسي
انتهت الانتخابات التشريعية، وأعلنت النتائج، واحتل كل مرشح موقعه في سلم الأصوات، لكن بعض النتائج لا تنتهي عند حدود الأرقام، بل تفتح الباب أمام أسئلة أكبر من صناديق الاقتراع نفسها.
في دائرة عين السبع–الحي المحمدي، جاءت النتائج لتطرح مفارقة تستحق التأمل: مرشح في المرتبة الأولى دون أسئلة برلمانية تُذكر، وآخر في المرتبة الثانية يخوض تجربته البرلمانية لأول مرة، فيما جاء ثالثاً برصيد سؤالين، ورابعاً بثلاثة أسئلة.
أما أنا، فجاء ترتيبي السادس، بعدما قضيت خمس سنوات داخل المؤسسة التشريعية، وبلغ رصيدي 20 سؤالاً برلمانياً موثقاً في السجل الرسمي لمجلس النواب، تناولت من خلالها قضايا اجتماعية ومهنية وإدارية، وقضايا تهم المواطنين والمغاربة المقيمين بالخارج، وحصلت على 3200 صوت.
3200 صوت ليست مجرد خانة في محضر انتخابي بالنسبة إليّ، إنها أصوات مواطنين وثقوا بي، وأعطوني ثقتهم، وأقولها بكل اعتزاز: أصوات من قلوب المواطنين، لا من جيوب المرشحين.
قد يقول قائل إن عدد الأسئلة البرلمانية ليس وحده معياراً للحكم على أداء نائب أو على اختيار الناخبين، وهذا صحيح. فالانتخابات أعقد من حصيلة برلمانية، والناخب حر في اختياره، والنتائج الانتخابية ينبغي احترامها.
لكن من حق المواطن، في المقابل، أن يطرح سؤالاً مشروعاً:
إذا كان النائب يُنتخب للدفاع عن قضايا المواطنين ومساءلة الحكومة وتتبع الملفات، فأين تذهب الحصيلة البرلمانية عندما يأتي موعد المحاسبة؟
لقد حاولت، طوال خمس سنوات، أن أتعامل مع النيابة البرلمانية باعتبارها تكليفاً وأمانة، لا امتيازاً. ولم أتعامل مع مقعد البرلمان باعتباره نهاية الطريق، بل وسيلة لخدمة الناس والدفاع عن قضاياهم.
واليوم، وبعد ظهور النتائج، لا أبحث عن مبررات للهزيمة، ولا أريد الانتقاص من أي مرشح حصل على ثقة المواطنين. فالانتخابات لها قواعدها، والنتائج لها دلالاتها، والتاريخ وحده كفيل بقراءة تفاصيل هذه المرحلة.
لكنني أقول بكل وضوح: لقد حوربت.
لم تكن المنافسة، في تقديري، مقتصرة على الخصوم السياسيين خارج الحزب، بل شعرت أيضاً بأنني واجهت مقاومة من داخل قيادة حزب الاستقلال خلال هذه الاستحقاقات.
وهذه، بالنسبة إليّ، ليست مجرد محطة انتخابية عابرة.
فهي تعيد إلى ذاكرتي ما عاشه والدي، المرحوم عبد الرزاق أفيلال، من صراعات واختبارات داخل المسار السياسي والحزبي، رغم ما قدمه من سنوات طويلة من العمل وخدمة الوطن وساكنة عين السبع–الحي المحمدي.
ولعل التاريخ يعيد بعض مشاهده، ولكن بأسماء وأزمنة مختلفة.
ومع ذلك، لن أندم على شيء.
لن أندم على سؤال برلماني طرحته دفاعاً عن مواطن.
لن أندم على ملف حملته إلى البرلمان.
لن أندم على موقف اتخذته لأنني اعتقدت أنه يخدم الصالح العام.
ولن أندم على ثقة 3200 مواطن اختاروا أن يمنحوني أصواتهم.
فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست مقعداً فقط.
المقعد يذهب… لكن الموقف يبقى.
الولاية تنتهي… لكن الحصيلة تبقى.
والانتخابات تمر… لكن الأمانة لا تنتهي بانتهاء الاقتراع.
ولذلك أستحضر اليوم قول الله تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وأستحضر كذلك قوله تعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.
لقد حملت الأمانة كما فهمتها، واجتهدت في أداء دوري كما استطعت.
أما النتائج، فهي قرار الناخبين، وعلينا جميعاً احترامها.
لكن من حقنا أيضاً أن نتساءل، بهدوء ومسؤولية:
هل نقيس البرلماني بعدد السنوات التي جلسها تحت قبة البرلمان، أم بما قدمه خلالها؟ وهل تقاس السياسة بعدد المقاعد فقط، أم بما يتركه الإنسان من أثر في حياة الناس؟
سأترك الإجابة للمواطنين وللتاريخ.
أما أنا، فسأبقى مقتنعاً بأن العمل السياسي الحقيقي لا يبدأ من يوم إعلان النتائج ولا ينتهي يوم سقوط اسم من لائحة الفائزين.
قد أخسر مقعداً… لكنني لن أخسر قناعتي بأن خدمة المواطن أمانة.
وهذا، بالنسبة إليّ، هو الرصيد الذي لا يُقاس بعدد الأصوات، ولا يُشترى بالمال، ولا يسقط بانتهاء ولاية انتخابية.





