
بقلم: عبد الله باعبود
إن قراءة التاريخ المغربي في العقدين السابقين لفرض الحماية تكشف حقيقة لا يمكن طمسها، وهي الدور المحوري الذي لعبته الأقلية اليهودية في تهيئة الرأي العام الأوروبي وتسهيل التدخل الفرنسي، ثم في استقباله والالتفاف حوله.
لم يكن هذا الولاء وليد لحظة 1912، بل هو نتاج مشروع طويل بدأ مع دخول جمعية الاتحاد الإسرائيلي العالمي Alliance Israélite Universelle إلى المغرب سنة 1862. هذه المدارس لم تكن مجرد مدارس تعليمية، بل كانت مصنعاً لخلق نخبة جديدة منقطعة عن محيطها، لغتها الفرنسية، وثقافتها فرنسية، وولاؤها لباريس لا لفاس. تخرج منها جيل كامل من الكتاب والمترجمين والسماسرة الذين أصبحوا العين والأذن واللسان لكل قنصل أوروبي.
في مؤتمر مدريد 1880 ومؤتمر الجزيرة الخضراء 1906، كان اليهود المغاربة هم من زود القوى الاستعمارية بالمعلومات عن الأسواق والطرق والضرائب، وهم من طالب بالحماية القنصلية الفرنسية والبريطانية. لقد استفادوا من نظام الحمايات الفردية للتهرب من سلطة المخزن، ثم طالبوا بتدخل دولي لحماية مصالحهم، فكانوا بذلك الطابور الخامس الذي برر مقولة “الفوضى في المغرب وضرورة الإصلاح”.
وعندما دخلت القوات الفرنسية، لم يكن المشهد في الدار البيضاء ووجدة وفاس خافياً. لقد اعترف الكتاب الفرنسيون أنفسهم، ومنهم الدكتور لاكوتور في كتابه “المغرب في الامتحان”، بأن اليهود استقبلوا الجنود الفرنسيين بالأناشيد والزغاريد، وعلقوا الأعلام الفرنسية على أبواب الملاح. لماذا؟ لأنهم اعتبروا لحظة 30 مارس 1912 لحظة خلاص لهم من حكم المسلمين وعودة إلى “الوطن الأم” فرنسا.
وفي عهد الحماية، تحقق لهم ما أرادوا. بينما كان الفلاح المغربي يجلد بالضرائب ويساق بالقوة لبناء الطرق، وكانت المقاومة في الأطلس والريف تقدم الشهداء، كان اليهود هم الطائفة المدللة. فتحت لهم البنوك، وأسندت إليهم جباية المكوس في الموانئ، واحتكروا تجارة الحبوب والسكر والشاي، واحتلوا الوظائف العليا كتراجمة وكتاب في الإقامات العامة والمراقبات المدنية. كانوا هم الوسطاء الضروريون بين المستعمر والسكان، ولا يمكن لأي مشروع استعماري أن ينجح دون هذه الطبقة الوسيطة المخلصة.
لذلك، فالقول بأنهم لم يشاركوا في الكفاح الوطني ليس تجنياً، بل هو وصف دقيق لواقع. التاريخ لا يعرف شهيداً يهودياً في معركة أنوال أو بوغافر أو جبل بادو، ولا يعرف منشوراً يهودياً يطالب بعودة محمد الخامس، بينما يعرف سجلات كاملة من التجار والمقاولين اليهود الذين مولوا حملات الجنرال ليوطي.
لقد كان ولاؤهم لفرنسا خياراً استراتيجياً واضحاً: فرنسا هي التي ستمنحهم الجنسية والمساواة والثراء، بينما استقلال المغرب سيعيدهم إلى وضع الرعية. ومن هنا نفهم لماذا كانت هجرتهم الجماعية بعد الاستقلال مباشرة نحو فرنسا وإسرائيل، ولماذا تركوا المغرب الذي عاشوا فيه قروناً بمجرد أن انتهى دور الحماية.





