همسة : جمال بودويل.. فنان يعزف على وتر الذاكرة، ويمنح الكلمة صوتًا واللحن روحًا
بقلم: بوهية مولاي إدريس

في زمنٍ أصبح فيه الانتشار أسرع من الإبداع، والضجيج أعلى من قيمة الأعمال، تظل هناك تجارب فنية تستمد مكانتها من صدقها، وتفرض حضورها بما تختزنه من عمق إنساني ووفاء للذاكرة الثقافية. من هذا الأفق يطل الفنان جمال بودويل، ابن مدينة الجديدة، الذي اختار أن يجعل من المسرح فضاءً للتعبير، ومن الغناء لغةً للوجدان، ومن التلحين جسراً تعبر فوقه القصيدة من صمت الورق إلى نبض الحياة.
إنه فنان تتقاطع في تجربته مسارات المسرح والأغنية الملتزمة والشعر، وتتجلى في اختياراته رغبة في صون أصالة الفن المغربي، لا بوصفها حنيناً إلى الماضي، بل باعتبارها رصيداً حياً قادراً على محاورة الحاضر واستشراف المستقبل … لذلك، فإن الكتابة عن جمال بودويل ليست مجرد احتفاء باسم فني من أبناء الجديدة، بل هي قراءة لتجربة تستحق الإنصات والتوثيق، واستعادةً لدور الفنان حين يتجاوز حدود الأداء ليصبح شاهداً على عصره، وحارساً لجزء من ذاكرة الناس ووجدانهم.
ليس كل فنان يُقاس عطاؤه بكثرة أعماله أو بحجم حضوره الإعلامي؛ فثمة فنانون يستمدون قيمتهم من صدق اختياراتهم، وعمق تجربتهم، وقدرتهم على جعل الفن رسالةً إنسانية وثقافية. ومن بين هذه الأسماء يبرز الفنان جمال بودويل، ابن مدينة الجديدة، الذي جمع في مساره بين المسرح والغناء والتلحين، وجعل من القصيدة فضاءً للتعبير والإبداع، مستلهماً روح الأغنية الملتزمة والتراث المغربي الأصيل.
ارتبطت بداياته الفنية بمدينة الجديدة، حيث حظي باهتمام المسرحي الراحل محمد سعيد عفيفي، وانخرط في تجربة جمعية «عروس الشواطئ»، التي أسهمت في تشكيل ملامح مساره. وقد منحته التجربة المسرحية أدوات التعبير والحضور والتفاعل مع الجمهور، فغدا الأداء عنده أبعد من مجرد صوت، وأقرب إلى بناء فني تتكامل فيه الكلمة والإحساس والإيقاع.
ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، اختار جمال بودويل مسار الأغنية الملتزمة، مستلهماً تجارب غنائية مغربية جعلت من الفن مرآةً لهموم المجتمع وذاكرته. وفي مقدمتها تجربة «ناس الغيوان»، بما حملته من تجديد في التعبير الموسيقي واستحضار للتراث الشعبي. كما ارتبطت اختياراته بقضايا إنسانية ووطنية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، في تعبير عن إيمانه بدور الأغنية في الدفاع عن الكرامة والحرية والعدالة…ولا يقتصر تميزه على الغناء، بل يمتد إلى التلحين، حيث وجد في الشعر المغربي مادةً خصبة لصياغة أعمال تجمع بين جمالية النص وخصوصية اللحن. وقد اشتغل على قصائد لعدد من الشعراء، من بينهم سعيد التاشفيني وحسنة عدي ومصطفى المكاوي ومحمد كابي. وتبرز أغنية «أحلام طائر»، من كلمات سعيد التاشفيني وألحان وأداء جمال بودويل، ضمن الأعمال التي تعكس اهتمامه بالقصيدة المغناة، وسعيه إلى منح الكلمة أفقاً موسيقياً يحافظ على روحها ويقربها من وجدان المستمع.
كما يفتح تعاونه مع الشاعر محمد كابي مجالاً للقاء الشعر بالموسيقى والأداء، في تجربة تؤكد أهمية الحوار بين المبدعين، وقدرة الفن على تحويل النص المكتوب إلى تجربة وجدانية مشتركة. فالتلحين ليس مجرد وضع نغمات على الكلمات، وإنما هو قراءة أخرى للقصيدة، تستكشف إيقاعها الداخلي وتمنح صورها ومعانيها حياةً جديدة.
وتظل صلة جمال بودويل بالظاهرة الغيوانية إحدى الزوايا المهمة لفهم اختياراته الفنية، سواء من خلال استلهام هذا الإرث أو المشاركة في المجموعات المرتبطة به. فقد أسهمت الظاهرة الغيوانية في ترسيخ مفهوم الأغنية التي تنبع من الذاكرة الشعبية وتعبر عن الإنسان وقضاياه، وهو أفق فني يلتقي مع توجه بودويل نحو الكلمة الهادفة والأداء الملتزم. غير أن قيمة أي تجربة لا تكمن في استنساخ تجارب الآخرين، بل في القدرة على استلهامها وصياغة صوت فني خاص.
وتتجلى خصوصية جمال بودويل في تعدد روافده الفنية، ومركزية الكلمة في اختياراته، واهتمامه بالتراث مع الانفتاح على التجديد، فضلاً عن تفاعله مع الوسط الثقافي والشعري. وقد شكلت مشاركاته في المهرجانات واللقاءات الفنية، ومنها مهرجان الأغنية الملتزمة بالخميسات سنة 1992، محطات في مساره، وأسهمت في توسيع دائرة التواصل مع الجمهور.
وبالنسبة إلى مدينة الجديدة، فإن تجربة بودويل تمثل جزءاً من الذاكرة الفنية المحلية التي تستحق التوثيق والتعريف. فالمبدعون الذين يجمعون بين المسرح والغناء والتلحين يضيفون إلى المشهد الثقافي قيمة تتجاوز إنتاج الأعمال، لتشمل نقل الخبرة بين الأجيال وصيانة الصلة بين التراث والتعبير المعاصر. ومن هنا تبرز أهمية جمع أعماله وتوثيق محطاته الفنية، وإتاحة الفرصة أمام الأجيال الجديدة لاكتشاف تجربته…إن جمال بودويل ليس مجرد مغنٍّ يؤدي كلمات وألحاناً، بل فنان تتقاطع في مساره تجارب المسرح والشعر والموسيقى، وتلتقي في اختياراته روح الالتزام مع الوفاء للذاكرة المغربية. وتبقى قيمة تجربته رهينة بما تمنحه من إمكانات للقراءة والنقد والتوثيق، وبما تطرحه من أسئلة حول دور الفن في زمن السرعة والاستهلاك.
كل التحية للفنان جمال بودويل، ابن الجديدة، الذي تذكرنا تجربته بأن الأغنية الأصيلة لا تنتهي بانتهاء لحظتها، بل تواصل الحياة حين تحمل كلمة صادقة، ولحناً نابضاً، ورسالةً تجد طريقها إلى وجدان الإنسان.
إن تجربة جمال بودويل تضعنا أمام سؤال جوهري: ماذا يبقى من الفنان حين تخفت الأضواء وتتغير الأذواق؟ لعل الجواب يكمن في ما يتركه من أثر في الذاكرة، وفي قدرته على أن يجعل من صوته أكثر من أداة للغناء، ومن لحنه أكثر من جملة موسيقية، ومن كلمته أكثر من تعبير عابر. فالفن الذي يستحق البقاء هو الذي يحمل روح الإنسان، ويصغي إلى أسئلته، ويصون ذاكرته دون أن ينغلق على ماضيه. ومن خلال تلاقي المسرح بالغناء والتلحين، واستحضار الشعر والتراث وروح الأغنية الملتزمة، تكتسب تجربة جمال بودويل ملامحها الخاصة، وتستحق أن تُقرأ بعيداً عن المجاملة، وأن تُوثق بما يليق بمسارها، وأن تجد مكانها في الذاكرة الثقافية لمدينة الجديدة وللأغنية المغربية. إن الإنصاف الحقيقي للمبدعين لا يتحقق بالثناء وحده، بل بحفظ أعمالهم، وتوثيق تجاربهم، وإتاحة الفرصة للأجيال الجديدة كي تكتشف ما أنجزوه. أما جمال بودويل، فتظل قيمته الفنية رهينة بما يضيفه إبداعه إلى هذه الذاكرة، وبما يفتحه من أفق للتلاقي بين الكلمة واللحن والإنسان؛ لأن الفنان الأصيل لا يكتفي بأن يُسمَع صوته، بل يسعى إلى أن يبقى صداه حيّاً في الوجدان.





