24 ساعةأحزابالواجهةعالم السياسةمجرد رأي

خطبة الجمعة : كرامة المرأة في الإسلام لا تمنح المسؤولات حصانة من النقد والمحاسبة

خطبة جريئة تجمع بين المرجعية الإسلامية والعدالة الاجتماعية، وتؤكد أن انتقاد فاطمة الزهراء المنصوري بسبب مواقفها السياسية وأدائها ومسؤولياتها المحتملة، لا بسبب كونها امرأة

إعداد: عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

الخطبة الأولى: المرأة التي كرّمها الله والمسؤولية التي لا تعلو على المحاسبة

الحمد لله الذي خلق الإنسان وكرّمه، وجعل العدل أساس الملك، وأمر بالحق ونهى عن الظلم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي أوصى بالنساء خيراً، ودافع عن كرامة الإنسان، ورفض الظلم والاستعلاء.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإن التقوى ليست مجرد كلمات تُقال، ولا مظاهر تُرفع، وإنما هي عدل في الحكم، وأمانة في المسؤولية، وصدق في القول، وابتعاد عن الظلم والفساد.

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ سورة الإسراء، الآية 70.

تأملوا، عباد الله، كيف قال ربنا : بني آدم، ولم يحصر الكرامة في الرجل دون المرأة، ولا في الغني دون الفقير، ولا في صاحب السلطة دون المواطن البسيط.

ويقول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾سورة النحل، الآية 90.

أيها المؤمنون،

إن الحديث عن المرأة ليس مناسبة للمزايدة السياسية، ولا سلاحاً لتخوين المخالفين، ولا ذريعة لإسكات الأصوات المنتقدة. فالمرأة أم وأخت وزوجة وابنة ومواطنة، وهي شريكة الرجل في بناء المجتمع، وفي العمل والعلم والنضال وتحمل المسؤولية.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته” . متفق عليه.

وهنا نصل إلى القضية التي تفرض نفسها على نقاشنا العام في المغرب: قضية فاطمة الزهراء المنصوري، ومسؤوليتها السياسية، ومواقفها وبرنامجها وأدائها في المواقع التي تتولاها.

إن موقفنا منها، نحن الذين ننتقد أداء المسؤولين والسياسات العمومية، ليس لأنها امرأة، ولا لأننا نرفض وصول المرأة إلى مواقع القرار، بل لأننا نؤمن بأن المسؤولية السياسية تكليف وليست تشريفاً، وأن المناصب العمومية ليست امتيازات شخصية، وإنما أمانة مرتبطة بخدمة المواطنين وتحقيق مصالحهم.

إن الدفاع الحقيقي عن المرأة لا يكون بتحويلها إلى شخصية ممنوعة من النقد، بل بضمان حقوقها، وصون كرامتها، وتكافؤ الفرص أمامها، وتمكينها من الوصول إلى المسؤولية على أساس الكفاءة والاستحقاق، ثم إخضاعها للقواعد نفسها التي يخضع لها الرجال.

عباد الله،

إن القرآن الكريم يقدم لنا نماذج لنساء امتلكن الرأي والقدرة على التدبير وتحمل المسؤولية. ومن ذلك ملكة سبأ التي حكى الله عن مشاورتها لقومها في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ﴾ سورة النمل، الآية 32.

نحن مع المرأة ضد التمييز، ومع المواطن ضد الظلم، ومع المحاسبة ضد الإفلات من المسؤولية، سواء كان المسؤول رجلاً أم امرأة.

الخطبة الثانية:

لا حصانة سياسية باسم المرأة، ولا تمييز ضدها باسم الدين

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد،

عباد الله،

إن من أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة السياسية أن تتحول القضايا العادلة إلى أدوات للمزايدة، وأن تُستعمل كرامة المرأة درعاً لحماية بعض المسؤولين من النقد، أو أن يُستعمل الدين لتبرير إقصائها من الحياة العامة.

ومن منظور العدالة الاجتماعية، لا يكفي أن نحتفل بوصول امرأة إلى منصب رفيع، بينما تعاني نساء كثيرات من الفقر والهشاشة، وضعف الحماية الاجتماعية، وصعوبة الولوج إلى العلاج، والعنف، والتمييز في الأجور وفرص العمل.

إن تكريم المرأة لا يكتمل بالصور الرسمية ولا بالمناصب وحدها، بل يكتمل حين تستطيع المرأة العاملة أن تعيش بكرامة، وحين تجد الأم المعوزة الحماية، وحين تحصل الفتاة في القرية على تعليم جيد، وحين تنال المرأة حقها في العمل والأجر العادل والأمان.

وفي المقابل، يجب أن يظل النقد موجهاً إلى المواقف والأفعال والسياسات، بعيداً عن الإهانة الشخصية أو التعميم على النساء.

رسالتنا واضحة: لسنا ضد المرأة، بل ضد الظلم؛ لسنا ضد تولي المرأة المسؤولية، بل ضد غياب المحاسبة؛ ولسنا ضد فاطمة الزهراء المنصوري لأنها امرأة، بل نحتفظ بحقنا في نقد خياراتها السياسية بكل وضوح ومسؤولية.

أيها المؤمنون،

إن الوطن لا يحتاج إلى رجال ونساء يتبادلون الاتهامات بسبب الجنس، وإنما يحتاج إلى مسؤولين ومسؤولات يخدمون المواطنين، ويحترمون المال العام، ويعملون على محاربة الفقر والبطالة والفساد، ويضعون المصلحة العامة فوق المصالح الحزبية والشخصية.

اللهم ارزق بلادنا العدل والإنصاف، واحفظ حقوق الفقراء والمستضعفين، وأعن كل مسؤول على أداء الأمانة، واجعل الحق فوق المصالح المنتسبين للأحزاب و من يدور في فلكهم ، والكرامة فوق الامتيازات، والمصلحة العامة فوق كل اعتبار.

وصلوا وسلموا على سيدنا محمد، كما أمركم الله تعالى بذلك في كتابه الكريم.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى