حفريات الكلام في عمق الصورة

بقلم: ماجد عبد الهادي
فصول من كتابي المُقبل:
حفريات الكلام في عمق الصورة
نحو مدرسة عربية للسرد التلفزيوني وبناء المعنى
———————-
الجزء الأول: السياق التاريخي
الفصل الأول
أصنام في غرف الأخبار
لا يحتاج الأمر إلى كبير عناء، لتكتشف بنفسك أصل العلة التي يطمح هذا الكتاب إلى الإسهام في معالجتها؛ اجلس لتشاهد شاشة تلفزيونية عربية، وتراقب تقاريرها الإخبارية، ساعة من الزمن، ثم ابحث عن كتاب صدر في الولايات المتحدة الأميركية عام 1973 بعنوان “الصحافة الجديدة” وتصفح بعض صفحاته، أو فقراته، لتعرف أن ما شاهدته قبل قليل، أي في زمن انفجار الثورة الرقمية، ينتمي، مهنياً، في معظمه، إلى مدرسة في التلفزة، والإعلام عموماً، كانت قد أغلقت أبوابها، وانتقلت مناهجها إلى متاحف التاريخ منذ أكثر من نصف قرن.
السؤال الذي ربما يقفز إلى الذهن هنا مزدوج: كيف ولماذا؟ أما الجواب، فذو شجون.
لكل صنعة قوالبها، وقالب الكتابة الإخبارية، تاريخياً، كان “الهرم المقلوب” الذي يقضي بأن يكتب الصحفي أهم ما في الخبر أولاً، يليه الأقل أهمية، وهكذا حتى يجيب على الأسئلة الخمسة؛ (من؟ ماذا؟ أين؟ متى؟ لماذا) بصيغة تتيح للمحرر إمكانية حذف ما يراه زوائد غير ضرورية في ذيل النص.
اعتمدت الصحافة الأميركية قالب “الهرم المقلوب” منذ أواسط القرن التاسع عشر، أي قبل ما يقرب من مائتي سنة، بوصفه حيلة تقنية فرضها ضعف الآلة. كان الصحفي القابع خلف جهاز “التلغراف” يرسل نصوصه عبر نبضات يخشى انقطاعها، في أي لحظة، فيلجأ لحشر أهم عناصر الخبر، أو نواته الصلبة، في السطور الأولى، كي يضمن وصولها إلى الجريدة، قبل توقف النبض في الأسلاك.
لكن المحزن حقاً أن ذلك القالب الذي جاء، في حينه، حلا لمشكلة تقنية، لا علاقة لها بشروط الكتابة، أو أصول العمل الصحفي، تحول إلى صنم، أو عقيدة، في الصحافة العربية. لقد مات جهاز “التلغراف” منذ أجيال، غير أن عقليته ترسخت، ولا تزال، في مناهج كليات الإعلام في الجامعات، وما انفك الأستاذ الجامعي يعلم طلابه الأسئلة الخمسة، في حين يخيم شبح “الهرم المقلوب” على وسائل الإعلام العربية، حتى ليبدو كأنما هو شيخ طاعن في السن يتصدر قاعة التحرير أو غرفة الأخبار، ويرمق بعين الريبة، أو يوبخ بلهجة الخبير، كل صحفي شاب يحاول بدء تقريره بتفصيل إنساني، أو يستخدم فنون المفارقة والاستعارة لتوضيح فكرة ما؛ “دعك من هذا الإنشاء، لا أريد شعراً، ولا نثراً. ابدأ من القمة، اعطني الأهم أولاً” يقول، وهو يدري، أو لا يدري، ربما، بأن الصحفيين الغربيين، في البلاد التي اخترعت “الهرم المقلوب” قد انقلبوا عليه، منذ ستينات القرن الماضي، وقرروا أن الوقائع الجافة تعجز عن حمل حقائق الحياة، وأن قصص الظلم والحرمان، تُروى بكلام عن الرائحة والأزقة الفقيرة، وبؤس الوجوه، لا بالأرقام، وأن قصص الحرب تُفهم من وحل الخنادق، وصمت الجنود في الليل، والملاجئ التي تنهار على الفارين إليها، وانتظار الأمهات، لا من البيانات العسكرية، والتصريحات السياسية، فكان أن كتبوا، من بعد، على هذا النحو، وتجادلوا في شأنه، ووضعوا لبناته، ثم تجذر، وتنامى، إلى أن صار له اسم وتاريخ ومدرسة.
حينئذ، كانت التلفزة العربية الناشئة حديثاً قد اتخذت من “الهرم المقلوب” نموذجاَ لعملها. ولم تتغير الحال هذه، حتى عندما ظهرت الفضائيات بعد مرور ثلاثة عقود من الزمن؛ كبرت الشاشات وظل القالب الصغير الضيق، على صغره وضيقه، أداة سأساسية للكتابة، غير قابلة للمراجعة، أو إعادة النظر. وهكذا لم يعد عسيراً على من يشاهد تقريراً في محطة تلفزة عربية، عن جريمة اغتيال، أو عملية اقتراع، أو نشوب معركة، أو أمسية أدبية، أن يتوقع، في الغالب، ما سيأتي به؛ ستبدأ الجملة الأولى بالحدث والمكان وربما الزمان، ثم فقرة عن ردود فعل المسؤولين، أو صوت شهود من الميدان، وأخيراً الختام يلخص ما قيل. الصورة تعرض الدمار، والمراسل يقف أمامه ويصفه. المشهد يقول شيئاً، والكلمة تعيد قوله. لا توتر بين حديهما، ولا لحظة حوار، ولا شيء سوى ما يثير الشك في أن المراسل يظن المشاهد ضريراً، أو عاجزاً عن النظر، بينما يكون الغائب الأهم عن تقريره هو الإنسان، بوصفه كائناً حياً، له صوت، ومشاعر، وذاكرة، وأحلام، لا باعتباره مجرد رقم في عداد الضحايا.
ويصعب، في الواقع، فهم سر هذا التمسك بتقاليد مهنية متهالكة، إلا عبر فهم البنية المؤسسية العربية التي تعاملت مع الصحافة على أنها فرع من فروع البيروقراطية، لا ابنة الأدب. لقد بدت مبررات التمسك بقالب ” الهرم المقلوب” في تلك الظروف، على الأقل، كأنها تعود إلى قدرته على أن يمنح المؤسسة شعوراً زائفاً بالأمان، فهو يُعفي الصحفي من عبء التأمل، ويحمي المحرر من أخطار التأويل، ثم صار، مع التكرار، سلوكاً جماعياً قوامه الإذعان للتقليد الغابر، وصار كل خروج عليه عرضة لتهمة التزيُّد العاطفي، أو الاقتراب من تخوم الأدب، أو كليهما معاً.
أما النتيجة الأخطر لهذا التخلف المهني عن ركب التطور والتحديث في آليات العمل الإعلامي، فعبرت عن نفسها في إقناع أجيال من الصحفيين بأن “الموضوعية” تعني “البرود” وبأن الوقوف على مسافتين متساويتين من الضحية والجلاد هي ذروة المهنية، ثم لم يعد مستغرباً، والحال هذه، أن تتحول المأساة إلى رقم بارد، والدمار إلى وصف بليد، بينما غاب أنين الإنسان وراء بيانات العسكر.
الكلام هنا ليس تعميماً مطلقاً، وإنما هو محاولة لقراءة الأعراض، وتشخيص العلة المزمنة، من دون أن ينفي وجود مراسلين وصحفيين عرب مجتهدين وموهوبين، تجرأوا على تحطيم أصنام التحرير القديمة، واشتغلوا في تقاريرهم على نقل أنفاس الضحايا، وأحاسيس آباء وأمهات تعصف الريح بالخيام التي يلوذون بها مع أطفالهم، لا حركة الجيوش فحسب، غير أن هؤلاء لم يكونوا إلا استثناءات محدودة، وسط كثيرين من أمثالهم ظلوا يقبعون، ومازالوا، في ظروف لا يُحسدون عليها، ولا يجدون مخرجاً منها، لينتجوا سرداً تلفزيونياً يرى، بدلاً من أن يصف، طالما أن المؤسسة أو المنظومة التي يعملون فيها تمتنع، منذ زمن طويل، عن مراجعة نفسها.
في الفصول التالية من هذا الجزء من الكتاب، محاولة لفهم لماذا حدث كل ذلك، عبر إجراء مراجعة تقرأ السياق الذي أنتج العلة: نشأة التلفزة العربية، وفي أية شروط تشكلت وتطورت، ثم كيف نجحت الفضائيات في امتلاك الصورة، بينما لم تستطع الإمساك تماماَ بزمام المعنى، وأخيراً دور المنظومة التعليمية في إعادة إنتاج الضعف، جيلا بعد جيل.





