24 ساعةأخبار الرياضةالواجهة

​مونديال 2026: هل تنجح الساحرة المستديرة في ترميم ما أفسدته السياسة بين الأشقاء؟

لطالما كانت الملاعب الرياضية مرآة عاكسة للتحولات السياسية والاجتماعية في العالم العربي، غير أن المشهد الذي نعيشه اليوم في تصفيات كأس العالم يتجاوز حدود التنافس الرياضي الشريف ليفصح عن شرخ عميق في الوجدان الجمعي. فبعد عقود كان فيها المشجع العربي يضبط ساعته وتلقائيته العاطفية على توقيت أي منتخب يحمل لغته ودينه كأنه يمثل رايته الوطنية، باتت المدرجات الافتراضية والواقعية تشهد ظاهرة غريبة تتمثل في تفضيل المؤازرة لمنتخبات أجنبية نكاية في الشقيق.

هذا التحول الدراماتيكي لم يكن وليد صدفة أو نتاج تغير في الأذواق الرياضية، بل هو حصاد مر لسنوات من تسييس المستطيل الأخضر وتحويله من مساحة للتلاقي والوحدة إلى ساحة ممتدة لتصفية الحسابات السياسية وتصدير الأزمات الدبلوماسية إلى القواعد الشعبية.

​إن هذا التفتت الوجداني يجد جذوره في رغبة الأنظمة السياسية المتلاحقة في احتكار الإنجاز الرياضي وتحويله إلى أداة لتعزيز الشرعية الداخلية أو للتغطية على إخفاقات تنموية واجتماعية. وعندما تصبح كرة القدم مشروعاً سياسياً بحتاً، فإن الفوز لا يعود مجرد تفوق تكتيكي أو بدني, بل يُسوق كـ “انتصار سيادي” على الآخر، حتى وإن كان هذا الآخر شقيقاً يتقاسم مع المنتصر التاريخ والمصير.

هذا الضخ الإعلامي الموجه نجح على مدار سنوات في إعادة صياغة مفهوم الهوية، حيث تراجعت الأبعاد الجامعة لحساب وطنيات ضيقة وشوفينية متطرفة، تقتات على صناعة “خصم وهمي” في الجوار لتبرير الذات وتغذية النزعات الإقصائية.

​ومع انتقال الثقل الجماهيري إلى الفضاء الرقمي، دخلت منصات التواصل الاجتماعي كعامل حسم في تأجيج هذه العداوات المصطنعة؛ إذ لم يعد الأمر مقتصراً على مناوشات عابرة بين الجماهير، بل تحول إلى حملات ممنهجة تقودها الحسابات الوهمية والذباب الإلكتروني لتضخيم أي احتكاك رياضي طبيعي وتحويله إلى قضية كرامة وطنية. هذا الشحن الرقمي المستمر نجح في غسل أدمغة قطاعات واسعة من الجيل الجديد، الذي نبت في بيئة معزولة عن قيم التضامن العربي القديم، ومحاصرة بروايات سياسية رسمية تحث على الريبة والتوجس من الشقيق، مما جعل خسارة الجار في مباراة كرة قدم مصدر بهجة ونكاية سياسية تتفوق على أي اعتبارات ثقافية أو دينية مشتركة.

​في نهاية المطاف، تبدو كرة القدم ضحية لا سبباً في هذا التباعد؛ فهي لم تفعل سوى تعرية ما استقر في النفوس بعد عقود من التعبئة السياسية السلبية. إن تفضيل الفريق الأجنبي على العربي هو الصرخة الأوضح لغياب المشروع القومي الموحد وتحول المنطقة إلى جزر معزولة تدير ظهرها لبعضها البعض. ولن يبرأ الجسد الرياضي العربي من هذه الآفة إلا إذا رُفعت يد السياسة عن اللعبة، وأدركت النخب والإعلام أن تمزيق النسيج الشعبي من أجل انتصار كروي عابر هو مقامرة خاسرة تدفع ثمنها الأجيال القادمة من رصيد وعيها ومستقبل تلاحمها.

ومع استعدادنا اليوم لاستقبال نهائيات كأس العالم 2026، يبقى الأمل معقوداً على أن تتجاوز الجماهير هذه الروايات المفتعلة، لتكون هذه البطولة مناسبة تلتئم فيها الجراح، ونرى فيها شعوباً عربية ملتحمة تقف صفاً واحداً خلف سفرائها في المونديال، وتشجع بعضها بعضاً بروح تسامي على كل الخلافات الضيقة وتنتصر للمشترك الإنساني والحضاري الذي يجمعها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى