تعزيز الحوكمة والشفافية في قطاع الكهرباء: نحو إصلاح هيكلي عميق لمستقبل طاقي مستدام

بقلم:أزلو محمد
في خطوة تاريخية تحمل في طيّاتها تجسيدًا عمليًا لرؤية طموحة ترمي إلى تعزيز الشفافية والحوكمة في قطاع الكهرباء بالمملكة المغربية، صادق مجلس الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء، خلال اجتماعه المنعقد في 19 فبراير الجاري، على مشروع الفصل المحاسباتي لأنشطة المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب. هذا القرار يمثل علامة فارقة في مسار التطوير الهيكلي للقطاع، ويأتي كنتاج تعاون طويل وشاق بين الهيئة والمكتب الوطني، مستندًا إلى إطار قانوني يهدف إلى تحقيق نقلة نوعية في إدارة الموارد الطاقية.
تأتي هذه الخطوة كمحور استراتيجي في تنفيذ مقتضيات القانون رقم 48.15، والذي يُعد بمثابة البوصلة التي توجه جهود إعادة هيكلة قطاع الكهرباء. يهدف هذا المشروع إلى فصل الأنشطة المحاسبية للمكتب الوطني للكهرباء والماء، بما يشمل إنتاج الطاقة الكهربائية، ونقلها، وتوزيعها، بالإضافة إلى الأنشطة الأخرى المرتبطة بالقطاع. هذا الفصل، وإن بدا تقنيًا في ظاهره، يحمل دلالات عميقة تتجاوز الجانب المحاسبي، ليضع الأسس لمنظومة طاقية أكثر شفافية واستدامة.
إن تنفيذ هذا الإصلاح المحاسبي لم يكن ليتم دون اعتماد إطار منهجي دقيق، تم تصميمه بعناية ليأخذ بعين الاعتبار خصوصيات قطاع الكهرباء الوطني، مع الاسترشاد بأفضل الممارسات الدولية. فالهيئة الوطنية لضبط الكهرباء عملت، بتنسيق وثيق مع المكتب الوطني للكهرباء والماء، على تطوير منظومة متكاملة تضمن احتساب الأصول، الخصوم، التكاليف، والعائدات بشكل شفاف ودقيق. كما تم وضع مبادئ صارمة تضبط العلاقات المالية بين الأنشطة المحاسبية المختلفة، مما يكرس النزاهة والشفافية في إدارة الموارد.
إن أحد الأهداف الأساسية لهذا الإصلاح هو تعزيز الشفافية المالية، وهو ما يُعد عاملًا حاسمًا في فتح الأبواب أمام المنافسة العادلة في السوق الكهربائي الوطني. فالفصل المحاسباتي يمنع أي دعم متبادل غير مشروع بين الأنشطة المنظمة وأنشطة السوق المفتوحة للمنافسة، مما يضمن بيئة تنافسية شريفة تعزز من مصداقية السوق وتدعم ثقة المستثمرين.
وتُعد هذه الخطوة ضرورية في سياق التحولات العالمية نحو تحرير أسواق الكهرباء، حيث تسعى المملكة إلى وضع إطار تنظيمي يُشجع على الابتكار والكفاءة، ويُحفّز الاستثمارات المحلية والأجنبية.
أحد الإنجازات الكبرى المتوقعة من هذا الإصلاح هو التحضير لاستقلالية مسير الشبكة الكهربائية الوطنية للنقل. فاستقلالية هذه الهيئة تمثل حجر الزاوية في تحقيق التوازن بين مختلف مكونات السوق، وضمان عدم تضارب المصالح بين الجهات الفاعلة. وفي ظل الإطار القانوني الحالي، ستكون هذه الاستقلالية خطوة نحو تعزيز الحوكمة وإعطاء دفعة قوية لبناء سوق كهربائي مستدام ومفتوح.
إن هذا القرار لا يقتصر على الجانب المحاسبي أو التنظيمي فحسب، بل يُعد جزءًا من رؤية أوسع تهدف إلى تسريع وتيرة الانتقال الطاقي في المغرب، الذي أصبح نموذجًا يُحتذى به على المستوى الإقليمي والدولي. فمن خلال تعزيز الشفافية والحوكمة، سيُتاح للمملكة جذب المزيد من الاستثمارات في قطاع الطاقات المتجددة، الذي يُشكل حجر الأساس في تحقيق التنمية المستدامة.
وتماشيًا مع التوجيهات الملكية السامية، فإن هذه الإصلاحات تُسهم في تعزيز دور المغرب كفاعل رئيسي في مواجهة التحديات المناخية، حيث تتجه البلاد نحو تحقيق أهدافها الطموحة في تقليص انبعاثات الكربون وزيادة حصة الطاقات النظيفة في المزيج الطاقي الوطني.
إدراكًا للتحديات المرتبطة بتنفيذ هذا المشروع الطموح، أعلنت الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء عن وضع آليات دقيقة للرصد والمتابعة، لضمان التزام كافة الأطراف بتنفيذ الفصل المحاسباتي وفق المعايير المحددة. فنجاح هذا الإصلاح يعتمد على التنسيق المستمر، ووجود أدوات رقابية فعالة تُسهم في قياس مدى تحقيق الأهداف المرجوة.
يمثل الفصل المحاسباتي أنموذجًا حيًا على قدرة المملكة على التحول نحو أنظمة طاقية أكثر كفاءة وشفافية. إنه ليس مجرد إجراء تقني، بل هو رؤية استراتيجية تؤسس لمستقبل طاقي مستدام، تُعزز فيه الحوكمة، وتُشجع المنافسة، وتُفتح فيه الآفاق أمام الاستثمارات الواعدة.
إن هذه الخطوة، وإن كانت جزءًا من مسار طويل، إلا أنها تُبرز التزام المغرب الراسخ ببناء اقتصاد قوي ومستدام، يُلبي تطلعات الأجيال الحالية والمستقبلية، ويُرسخ مكانته كقوة إقليمية في مجال الطاقة.





