الجديدة… مدينة تبحث عن فضاءات الحياة

- الأطفال في مواجهة الشارع… لا مكان للبراءة…
- الإسمنت يزحف… والخُضرة تحتضر…
- حدائق تحتضر… وأشجار تموت واقفة…
- النفايات… صورة أخرى لغياب الوعي…
- الحل في تكامل الأدوار… لا في تبادل التهم
- في الوقت الذي تنشغل فيه النخبة السياسية بمدينة الجديدة بالتحضير للانتخابات المقبلة، وتتنافس على تصدر مشهد التدبير المحلي بشعارات براقة ووعود بعيدة المدى، تغرق المدينة في إشكالات يومية حارقة، تهم حياة المواطن البسيط قبل كل شيء، وعلى رأسها غياب فضاءات الترفيه للأطفال والشباب، ونقص المساحات الخضراء، وانتشار النفايات، في مشهد يختزل أزمة في الحكامة الحضرية وضمور في الوعي المدني والبيئي معًا.
في مدينة تجاوزت عتبة التوسع العمراني بلا رؤية متكاملة، يفتقد الأطفال لأبسط حقوقهم الطبيعية: اللعب في فضاء آمن. فلا وجود لحدائق مهيأة، ولا ملاعب للقرب، بل مساحات فارغة تتحول يومًا بعد يوم إلى نقط سوداء، تنتظر جشع مافيا العقار للاستيلاء عليها بدل أن تتحول إلى منتزهات عمومية. في ظل هذا الغياب، يجد الأطفال أنفسهم أسرى للفراغ، عرضة للتسكع أو الارتماء في حضن الانحراف، بين مقاهي الشيشة ومخاطر تعاطي المخدرات.
الآباء بدورهم يُتركون أمام معاناة مستمرة: لا متنفسات، لا مرافق، لا بدائل. وهذا الفراغ التربوي والنفسي يهدد بتقويض أسس التنشئة السليمة لأجيال المستقبل.
الجديدة، التي كانت إلى وقت قريب وجهة بحرية بملامح جمالية، بدأت تفقد بريقها تحت وطأة الإسمنت الذي يزحف بلا هوادة. مشروعات عمرانية تُقام دون مراعاة الحد الأدنى من التوازن البيئي، ودون اعتبار للمواطن ككائن حي يحتاج إلى هواء نقي وشجرة ظل.
غياب المساحات الخضراء ليس فقط مشكلاً جمالياً، بل هو اختلال في الصحة العامة وفي الحق في بيئة نظيفة. ورغم التنبيهات المتكررة من قبل المهتمين، فإن المخططات العمرانية الحديثة تخلو من أي رؤية بيئية واضحة، مما يطرح علامات استفهام حول الجهة التي ترخص، والغاية التي تُغفل.
من التجمعات السكنية الراقية إلى الأحياء الشعبية، تصدمك مشاهد النفايات المتراكمة. روائح كريهة تنبعث من كل زاوية، وأكياس بلاستيكية تتطاير في الهواء، ومفارغ عشوائية تحيط بالعمارات السكنية، في مشهد يُظهر أن أزمة المدينة ليست فقط في التسيير، بل أيضاً في سلوك المواطن.
ورغم توفير السلطات لشاحنات ومعدات النظافة، فإن الوضع لا يتغير. لأن غياب الثقافة البيئية يجعل البعض يُفضّل نظافة بيته على حساب نظافة الشارع، وكأن الفضاء العام لا يعنيه. وهنا، يجب القول بوضوح: لا تنمية دون مواطن واعٍ، ولا بيئة سليمة دون وعي جماعي بمفهوم المسؤولية المشتركة.
على قلتها، فإن الأشجار التي تزين بعض شوارع الجديدة تقف اليوم على حافة الموت، عطشى، مهملة، بلا عناية، وكأنها لم تُزرع إلا بالصدفة. لا صيانة، لا تشذيب، لا مبادرات من السلطة أو من المجتمع المدني. تُركت لتذبل، بينما تمر من أمامها مئات الوجوه يوميًا دون أن يحرّك أحد ساكنًا.
ليست السلطات وحدها المسؤولة، وليست الجمعيات أو السكان وحدهم من يُلام. الأزمة مركبة، والحل يبدأ من رؤية حضرية مستدامة تُدمج البُعد البيئي في كل مشروع. ويبدأ كذلك من مواطن يرى في الشجرة جزءًا من حياته، لا مجرد ديكور بصري.
الجديدة اليوم لا تحتاج فقط إلى مشاريع إسمنتية، بل إلى جرعة وعي حضاري، وإلى قرار سياسي شجاع يوقف نزيف الإسمنت، ويعيد الاعتبار لحق المواطن في الفضاء العام، ويحمي أطفال المدينة من تهميش العمران وفوضى التوسع.
فهل تنبعث الحياة من تحت الركام؟
الجواب… رهن يقظة الجميع.





