المدرسة أم كرة القدم

بقلم : د. محمد غولي
لم يكن تصريح مدرب المنتخب الوطني للفتيان لوسائل الإعلام الدولية بعد تغلب منتخبنا على نظيره الأمريكي في دور السدس عشر – والذي كان فحواه أنه خير لاعبيه الأشبال بين الاستمرار في حصد النتائج الإيجابية في كأس العالم للفتيان المقامة حاليا في الشقيقة قطر ، أو الهزيمة والرجوع للمدرسة مع ما في ذلك من الاستيقاظ المبكر ، وتحمل عناء البرد وتعب المسافة بين المنزل والمدرسة …. ، بزلة لسان أو هفوة عابرة ، بل أعتقد أن الأمر يتجاوز الزلة والهفوة، فالمدرب هنا وانطلاقا من الوعي الجمعي للعامة يخير أشباله بين الاستمرار في المنافسة مع الاستيقاظ المتأخر ، والاستمتاع بأجواء الفندق الرائعة ، والتنعم بما لذ وطاب من الأكل والشراب في حالة الانتصار ، أو الاستيقاظ المبكر للمدرسة وتحمل عناء المثابرة والجد ، لأجل طلب العلم والمعرفة وبناء الذات للمستقبل في حالة الهزيمة ؛ وكأن المدرسة أصبحت رمزا للعقاب لا رمزا للجزاء والمكافأة …
منطق غريب لمن يدركون قيم المثابرة والجد والتحصيل في بناء الوطن، ولكنها مقارنة عادية عند الذين يؤمنون بتحقيق الغايات ولو على حساب الوسائل والآليات … هذا النمط من التفكير أصبح شائعا وراسخا في زمن أصبحت فيه كرة القدم هي الهواء الذي يتنفسه الكثير من الناشئة ، وأصبح وهم الوصول للغنى المادي بأسرع وقت ممكن غاية تفوق كل الغايات ، وأضحت المدرسة مع ماتحمله من قيم وفضائل طريق يحفه المخاطر ، بل وقد لا يحقق المطلوب لدى الكثير من الأسر المغربية ، ولعمري هذا هو لب تخلف مجتمعنا ، أصبح العقل التربوي في أزمة بنيوية أفقدتنا حيويتنا وإشعاعنا الحضاري بين الأمم ، وترسخ في أذهاننا أن المدرسة التي لا توصل للترقي الاجتماعي السريع ، والاختراق المادي … لا طائل منها ، ولا جدوى يرجى من ورائها ، وتولد لدينا أن المدرسة التي لا تكون سببا في تأمين حاجات المستقبل مع ما يستلزم ذلك من الشهرة والنجومية ، هي مدرسة فاشلة بغض النظر عن مردوديتها المعرفية والقيمية ، وفي المقابل أضحت رياضة كرة القدم على وجه الخصوص مجالا للجذب واستقطاب فئات واسعة من أبناء الشعب ، على اعتبار مردوديتها الاقتصادية والتسويقية داخل الوطن وخارجه …. فهل حقا هي كذلك ؟ وهل بناء الأوطان ودخول نادي الدول المتقدمة يتم كما يظن هؤلا ء ؟!
بالرجوع لخانة الدول المتقدمة اقتصاديا وعلميا ومعرفيا وثقافيا … نرى أن كرة القدم هي لعبة ترفيهية كسائر اللعب ، تستعمل في الوقت الثالث ، وقت الراحة والاستجمام ، بل تعتبر وسيلة للترويح عن النفس والتخلص من ضغوطات الحياة اليومية للمتابعين لها ، أما الشعوب التي تعتبرها هوسا يوميا لا يمكن الاستغناء عنه ، فلا زالت تتلمس طريقها نحو التقدم والازدهار كما هو نموذج دول أمريكا اللاتينية مثلا … كرة القدم في عرف العقلاء هي مجرد لعبة قد يفوز ممارسها وقد يخسر ، ثم أن أعداد المتفوقين فيها بالكاد يصل لعدد رؤوس الأصابع ، فكيف نقارنها بالمدرسة ؟!، بل وكيف نجعل المدرسة عقابا لمن لا يفوز بمباراياتها ؟!
كل الدول التي شقت طريقها نحو المستقبل حديثا كانت بواسطة المدرسة كدول جنوب شرق آسيا على سبيل المثال ، وكل الدول التي اتخذت من الألعاب الرياضية- ومنها كرة القدم – أولوية الأولويات لازالت تبحث عن التقدم والازدهار وتحقيق العيش الكريم لأبنائها ، لا زلنا للأسف الشديد في جهل مركب بقيمة المدرسة والمعرفة لبناء مستقبل الوطن ، ولا زلنا في تخبط شديد حول ترتيب أولويات التفوق والنجاح ، نعم التفوق الرياضي لا يمنع من التفوق الدراسي بأي حال من الأحوال ، كما أن التفوق الدراسي لا يمنع من التفوق الرياضي كذلك، ولكن ينبغي ترتيب الأولويات في السياسات العمومية، بدل تسويق الوهم لأبناء المغاربة على اعتبار أن لعبة كرة القدم هي طوق النجاة ، وسبيل الشهرة والغنى والنجومية السريعة ، هذا منطق لا يستقيم ، وسياسة فاشلة مآلها التخلف والتأخر بين الأمم … وصدق الشاعر إذ يقول : إنما الأمم الأخلاق مابقيت*****فإنهم ذهبت أخلاقهم ذهبوا ، وما المدرسة إلا منبع الأخلاق والقيم والعلم والمعرفة ، وبهذا تنهض الأمم وليس بكرة القدم أو اليد أو السلة أوماشابه ذلك ….





