المسيرة الخضراء: عبقرية الرؤية ووحدة المصير

بقلم :سلمان بونعمان
المسيرة الخضراء لحظة تاريخية فارقة في تاريخ المغرب السياسي والحضاري، مفعمة بالوطنية والتضحية والوحدة من أجل استكمال معركة تحرير الوطن واسترداد جزء أصيل من أرضه.
في السادس من نونبر سنة 1975، خطّ المغاربة بقلوبهم قبل أقدامهم ملحمة خضراء، تجلت فيها وحدة الأمة تحت راية واحدة وإرادة واحدة، وجسدت التحام الشعب بقيادته في أبهى صوره.
تجسد “المسيرة الخضراء” عبقرية الفكرة وسرية التخطيط وفرادة التنفيذ من لدن الملك الراحل الحسن الثاني، مما جعلها تحركًا شعبيًا منظمًا ومنضبطًا ومفعمًا بالروحانية والإيمان.
وقد حسمت بطريقة فجائية وبنوع من الإصرار السلمي المعركة في مواجهة الاحتلال الإسباني، متفادية الصدام العسكري وإراقة الدماء، ومؤكدة على فعالية التلاحم المبدع بين العرش والإرادة الشعبية والقوى الوطنية.
هكذا تحوّل فعل المسيرة إلى إرادة لا تقهر وقوة سلمية قادرة على انتزاع الحق ووصل المغرب بأقاليمه الجنوبية وصحرائه، وفتح المجال المغربي على عمقه الإفريقي والحضاري والإسلامي.
كانت المسيرة حدثًا أسّس لمعنى جديد في التاريخ المغربي، إذ جمعت بين الإيمان واليقين، وبين التدبير السياسي والرؤية الحضارية، فكانت ولادة جديدة للأمة في وعيها الجماعي وسيادتها الترابية.
كانت المسيرة شكلاً من المقاومة السلمية الاستباقية والمبادرة الاستراتيجية لاستعادة الأرض والكرامة والسيادة، وستظل حركة غير مسبوقة ومناورة سياسية ذكية في الصراع مع الاستعمار وسياسات التقسيم والتجزئة.
ورغم ما كان يحيط بها من تحديات إقليمية وجيوستراتيجية آنذاك، حمل المغاربة في قلوبهم يقين التحرير وثقة النصر، واستشعروا أن الأرض المغربية المسلمة تستحق التضحية بالنفس والمال والعمل، وأن تحريرها واجب وطني وديني وحضاري.
لقد تحولت المسيرة إلى مدرسة في الوطنية والإيمان، تُعلّم الأجيال معنى الانتماء، وتغرس في النفوس روح المبادرة والعزة، وتؤكد أن الكفاح من أجل الوطن يمر عبر الوعي الجماعي والإرادة الصلبة والمشروع المشترك.
يحذونا الأمل في استمرار روح المسيرة وانبعاث فعلها وحركتها ليشرق نورها التحرري في حاضرنا من جديد، ولكي يستمر توريثها للأجيال القادمة فكرة وروحًا ومعنى وقيمًا، من خلال إحياء الذاكرة الوطنية عبر التربية والتعليم والإعلام والثقافة، في مسارٍ وطنيٍّ دائمٍ نحو الحرية والديمقراطية والتنمية.
تستمر المسيرة الخضراء منهجا متجددا في بناء الوطن وتجديد العهد مع القيم العليا للأمة، وتظل دعوةً متواصلة للإبداع في العمل والعلم والتنمية والوعي. ويأتي عيد الوحدة(حدث 31 أكتوبر) امتدادًا لروح المسيرة، لحظةً تُجدد النهج وتُعمّق المعنى وتفتح أمام المغاربة آفاقًا جديدة نحو وحدة وطنية تجمع إخوة الدين والوطن والمصير، ووحدة إقليمية تجمع إخوة الدين واللغة والجغرافيا والتاريخ (الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا)، ووحدة إفريقية تؤلف بين إخوة التنمية والمستقبل المشترك. هكذا تلتقي المسيرة بالوحدة لتواصلا طريق المغرب في صناعة التاريخ وابتكار معاني السيادة والكرامة والحرية.





