
منذ أن نال الصحافي توفيق بوعشرين حريته بمقتضى عفو ملكي قبل أشهر، عاد النقاش حول موقع الصحافة المستقلة في المغرب إلى الواجهة، لم يكن الإفراج عنه مجرد حدث إنساني أو قانوني، بل إشارة سياسية تعبّر عن رغبة في طيّ صفحة من التوتر بين الدولة والإعلام الحر، وفتح مسار جديد قائم على التوازن بين حرية التعبير واحترام المؤسسات.
بوعشرين، الذي أسس جريدة أخبار اليوم قبل أن تُغلق، عُرف منذ مطلع الألفية كأحد أبرز الأصوات النقدية في المشهد الإعلامي المغربي، كتاباته، التي جمعت بين الجرأة والتحليل، وضعت أصابعها على مكامن الخلل في إدارة الشأن العام، لكنها أيضًا أثارت غضبًا لدى أطراف في السلطة والنخبة السياسية.
ومع خروجه إلى الحرية، اختار أن يعود إلى الجمهور عبر قناة رقمية على يوتيوب، حيث يقدم تحليلات سياسية واجتماعية تتناول التطورات الإقليمية والداخلية بجرأة لافتة.
غير أن ما جرى مؤخرًا من اختراق لقناته على المنصة، وقرصنة محتواها، يكشف عن توترٍ مستمر بين منطق الدولة ومنطق الكلمة الحرة في المغرب، فالتحول الرقمي منح الصحافيين المستقلين مساحة جديدة للتعبير خارج الأطر التقليدية للصحافة الورقية، لكنه في المقابل وسّع دائرة الصراع بين الأصوات الحرة ومن يسعى إلى تقييدها بوسائل غير قانونية.
من الناحية السياسية، يعكس استهداف قناة بوعشرين هشاشة البيئة الرقمية للإعلام المستقل، وغياب آليات مؤسسية تحمي حرية التعبير في الفضاء الإلكتروني، تمامًا كما تحميها القوانين في الصحافة المكتوبة، كما يُظهر أن بعض الجهات – سواء كانت فاعلين سياسيين أو مجموعات ضغط رقمية- ما زالت ترى في الكلمة الحرة خطرًا على توازنات قائمة، لا قيمة مضافة للنقاش العمومي.
ومع ذلك، فإن المفارقة تكمن في أن الهجمات على الأصوات الحرة لا تُضعفها بل تُقوّيها، فكل محاولة لإسكات بوعشرين أو غيره، تعيد النقاش إلى الساحة وتمنحه شرعية جديدة في عالم السياسة والإعلام، لا تُهزم الفكرة بالقمع، بل بالحجة والبرهان.
ختامًا، فإن ملف بوعشرين بعد العفو الملكي لم يعد قضية شخصية، بل أصبح مؤشرًا على علاقة الدولة المغربية بالإعلام في مرحلة ما بعد التحول الرقمي، وإذا كان المغرب يسعى إلى تكريس نموذج ديمقراطي حديث، فإن أول اختبار لذلك يكمن في قدرته على حماية التعددية الفكرية، لا في تقييدها.
لذلك، فإن اختراق قناة بوعشرين ليس مجرد حادث إلكتروني، بل رسالة سياسية معاكسة لروح الانفتاح التي بدأت تتشكل، الردّ الحقيقي عليها لن يكون بالبيانات ولا بالإدانات، بل بإرادة سياسية واضحة تضع حرية الكلمة في صميم مشروع الإصلاح.




