24 ساعةالواجهةمجرد رأي

حين تختزل المرأة القروية في “يد عاملة”: قراءة نقدية في إعلان تشغيل العاملات الفلاحيات بالمغرب

حين تختزل المرأة القروية في “يد عاملة”: قراءة نقدية في إعلان تشغيل العاملات الفلاحيات بالمغرب

بقلم : العربي السليماني

لا يبدو إعلان تسجيل العاملات الفلاحيات، في ظاهره، سوى إجراء إداري عادي يندرج ضمن تنظيم سوق الشغل الفلاحي الموسمي. غير أن التمعن في شروطه ومضامينه يكشف عن بنية فكرية واقتصادية أعمق، ما تزال تحكم طريقة تدبير العمل الفلاحي النسوي في المغرب، وتعيد إنتاج الهشاشة بدل معالجتها.

يستند الإعلان إلى منطق انتقائي واضح، إذ يحدد سن العاملات بين 30 و55 سنة، ويشترط وضعية أسرية معينة. هذه الشروط لا تُحيل إلى أي معيار مهني أو تقني، بقدر ما تعكس توجّهًا يستثمر في الهشاشة الاجتماعية للنساء القرويات، ويحوّلها إلى أداة لضمان يد عاملة مطيعة وقابلة للاستغلال الموسمي. فالعاملة لا تُختار لأنها مؤهلة أو متكوّنة، بل لأنها في وضع اجتماعي يجعلها أقل قدرة على الرفض أو التفاوض.

الأكثر دلالة في الإعلان هو الغياب التام لأي حديث عن التكوين أو التأهيل. ففي وقت يرفع فيه المغرب شعار تحديث الفلاحة وجعل العنصر البشري في صلب التنمية، ما تزال الإعلانات التشغيلية تتعامل مع العمل الفلاحي باعتباره مجهودًا جسديًا صرفًا، لا مهنة قائمة على المعرفة والمهارة. هذا التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي والممارسة الميدانية يُفرغ السياسات العمومية من مضمونها، ويُبقي النساء القرويات خارج منطق الاحتراف والاعتراف المهني.
كما يكشف الإعلان عن اختلال واضح في العلاقة الشغلية. فبينما يُطلب من العاملات الإدلاء بعدد كبير من الوثائق الإدارية التي تمس وضعهن العائلي والاجتماعي، لا نجد أي التزام صريح من الجهة المشغلة بخصوص الأجر، عقد العمل، التغطية الصحية، أو شروط السلامة. هذا الصمت ليس بريئًا، بل يعكس قبولًا ضمنيًا باستمرار العمل غير المهيكل في قطاع يُعد من أكثر القطاعات تشغيلًا، وأقلها حماية.

من زاوية النوع الاجتماعي، يعيد الإعلان إنتاج صورة نمطية للمرأة القروية باعتبارها موردا بشريا ثانويا، صالحا للأعمال الشاقة والمؤقتة، وغير جدير بالاستثمار طويل الأمد. ورغم تبنّي المغرب لخطط رسمية لإدماج مقاربة النوع في السياسات العمومية، فإن مثل هذه الإعلانات تكشف الهوة بين النصوص والتطبيق، حيث تبقى المساواة شعارا أكثر منها ممارسة.

الأخطر من ذلك أن هذا النموذج من التشغيل لا ينعكس فقط على وضعية النساء، بل على مستقبل الفلاحة المغربية نفسها. فاقتصاد يقوم على يد عاملة غير مؤهلة، محرومة من الحقوق، لا يمكنه الصمود في سوق عالمي تحكمه معايير الجودة، التتبع، والاحتراف. إن الاستمرار في هذا المنطق يعني تكريس فلاحة ذات قيمة مضافة ضعيفة، وغير قادرة على المنافسة أو الاستدامة.

إن نقد هذا الإعلان لا يستهدف إجراءً بعينه، بل يفتح نقاشًا أوسع حول الرؤية التي تحكم التشغيل الفلاحي في المغرب. فإما الاستمرار في منطق تدبير الخصاص عبر استغلال الهشاشة، أو الانتقال إلى نموذج يعترف بالمرأة القروية كفاعل اقتصادي كامل، يستحق التكوين، الحماية، والمسار المهني الواضح.

في المحصلة، لا يمكن الحديث عن فلاحة حديثة أو تنمية قروية حقيقية ما دامت المرأة القروية تُختزل في “يد عاملة” بلا هوية مهنية. فالتحديث لا يبدأ من الأرض فقط، بل من الإنسان الذي يشتغل فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى