زهور معناني في حضرة التاريخ اللوحة التي لم تُكتمل بعد

عندما تلتقي عين الفنانة التشكيلية بسطح أثر تاريخي، لا يعود المشهد مجرد “زيارة” عابرة، بل يستحيل إلى “مكاشفة” فنية تعيد قراءة الزمان والمكان. في قلب العاصمة البلجيكية بروكسل، وتحديداً أمام نصب البطل القومي “فريديريك دي ميرود”، وقفت الفنانة التشكيلية المغربية زهور معناني في وقفة لم تكن للعرض البصري فحسب، بل كانت تجسيداً لحوار كوني بين فن الرسم الذي تمثله وفن النحت الذي يخلد الذاكرة.
تظهر الفنانة زهور معناني في صورتها بجانب النصب التذكاري بملامح يطبعها الهدوء الواثق، مرتديةً السواد الذي يكسره “شال” صوفي ملون، في إشارة بصرية ذكية إلى أن الفنان هو من يمنح الحياة واللون للأشياء الجامدة من حوله. هذا التقابل بين جسد الفنانة الحي، وبين الكتلة البرونزية الباردة للتمثال، يخلق نوعاً من “الدراما البصرية”؛ فالتمثال يمثل بطلاً سقط في ثورة 1830 من أجل استقلال بلجيكا، بينما تمثل زهور معناني “ثورة اللون” التي تسعى من خلالها إلى تحرير الجسد والفكر من قيود النمطية.
النصب الذي اختارته معناني للوقوف بجانبه ليس مجرد تمثال، بل هو عمل فني يجسد البطل “دي ميرود” بملابس المتطوعين البسيطة، حاملاً بندقية، في وضعية تجمع بين الملحمية والتواضع الإنساني. إن ملامسة يد الفنانة لقاعدة النصب توحي برغبة لاواعية في استمداد القوة من التاريخ، وكأنها تقول إن الفن، تماماً كالثورات الكبرى، يحتاج إلى “إصرار” و”بندقية” من نوع آخر.. بندقية الريشة التي تطلق رصاص الجمال في وجه القبح.
زهور معناني هنا تتبنى خطاب “الفنان القوي” الذي لا يلتفت للضجيج، بل يركز على ترك الأثر، تماماً كما ترك النحات أثره في هذا البرونز الصامد منذ قرون.
في صورها المقربة “البورتريه”، تطل علينا معناني بابتسامة مشرقة تتناقض مع “التكشيرة” الحربية للتمثال. هذه الابتسامة هي رسالة فنية بحد ذاتها؛ فهي تعني أن الفن هو وسيلة لتجاوز مآسي التاريخ والحروب نحو أفق من التفاؤل والجمال. إن اختيارها لهذا الفضاء الجغرافي (بلجيكا) والزمني (مرور قرون على النصب) يؤكد أن تجربتها التشكيلية باتت تتنفس عالمياً، وتتغذى من مرجعيات جمالية عابرة للقارات.
إن وقوف زهور معناني أمام نصب “دي ميرود” هو بمثابة “لوحة تركيبية تذكرنا بأن الفنان التشكيلي المغربي اليوم لم يعد حبيس المحترف، بل أصبح فاعلاً ثقافياً يجوب العالم، يقرأ الحجارة، ويحاور النحاس، ويستنطق التاريخ. هي قراءة فنية تثبت أن الجمال لا يموت، سواء كان مرسوماً على قماش أو منحوتاً في قلب بروكسل، طالما أن هناك عيناً مبدعة تعرف كيف تلتقط الجوهر.






