
ليست كل الانسحابات هروبًا، وليست كل المقاطعات ضعفًا. أحيانًا، يكون الانسحاب أعلى درجات الحضور، وأصدق أشكال الدفاع عن المعنى، ما حدث لم يكن ردّ فعل عاطفيًا، بل موقفًا سياديًا اتخذته دولة حين رأت أن العبث صار قاعدة، وأن العدل يُغتال على مرأى من الجميع.
عندما تُشوَّه المنافسة، وتُفرَّغ القوانين من روحها، لا يعود للكأس معنى، ولا للتتويج قيمة، فالألقاب لا تُمنح حين يغيب الإنصاف، والانتصار الحقيقي لا يُقاس بالمعدن اللامع، بل بثبات المبدأ، في لحظة كهذه، يصبح التصفيق مشاركة في المهزلة، والصمت تواطؤًا غير معلن.
الدولة التي تحترم نفسها لا تصفق للظلم، ولا تُبارك الفوضى المغلّفة بشرعية شكلية، وحين يُغتال العدل، تسقط الشرعية تلقائيًا، مهما حاولت الصور والاحتفالات إقناع الجماهير بعكس ذلك، لأن الكرامة لا تُتوَّج، والعدل لا يُساوَم.
اللقطة التي شاهدها الجميع لم تكن عابرة، بل كانت مكثفة الدلالة، اختزلت حجم الخبث الذي يمكن أن يختبئ خلف البروتوكولات، وعرّت واقعًا يُراد له أن يبدو طبيعيًا وهو في جوهره مختل، لقطة واحدة كانت كافية لتقول ما عجزت عنه البيانات الطويلة.
“خذوا الكأس إن شئتم… فقط اتركوا المغرب بخير.”

ليست عبارة غضب، بل إعلان موقف، فالوطن لا يقايَض، والكرامة لا تدخل في حساب الأرباح والخسائر، قد تُصادَر لحظة فرح، لكن لا يمكن مصادرة معنى، ولا محو ذاكرة شعب يعرف جيدًا متى يقول لا، ومتى يغادر مرفوع الرأس.
في زمن تختلط فيه القيم، يبقى القرار السيادي فعل شجاعة. ليس لأن الدولة لا تريد الفوز، بل لأنها ترفض أن يكون الفوز على حساب العدل وتلك، في ميزان التاريخ، بطولة لا تُنزع.





