غمزة :التقاعد بين الإنصاف والتجاهل: حين يصبح العطاء عبئًا

التقاعد ليس مجرد انتقال من مرحلة العمل إلى الراحة، بل هو اختبار حقيقي لمدى تقدير المجتمع لعطاء أبنائه الذين أفنوا أعمارهم في الخدمة. ولكن للأسف، يبدو أن مفهوم التقاعد لدينا قد تحول إلى حكم بالإقصاء، حيث يُترك المتقاعد ليواجه مصيرًا مجهولًا وسط متطلبات الحياة المتزايدة ومعاشات هزيلة لا تكاد تسد احتياجاته الأساسية.
حين ننظر إلى المتقاعدين اليوم، لا نراهم كأفراد منفصلين، بل كمرآة تعكس مستقبل كل موظف حالي. هؤلاء الذين يتقاضون رواتب لا تتناسب مع سنوات عملهم الطويلة، هم أنفسهم من كانوا يومًا في مواقعنا، وموظفو اليوم سيكونون في الغد مكانهم. لكن، هل من العدل أن تتحول حياة الإنسان بعد التقاعد إلى صراع يومي من أجل البقاء؟ هل من المنطقي أن يصبح الحصول على الحقوق المكتسبة أمرًا شاقًا ومعقدًا، وكأنها منة وليست استحقاقًا مشروعًا؟
النظام التقاعدي، بدلاً من أن يكون شبكة أمان، أصبح عبئًا إضافيًا على كاهل المتقاعدين وأسرهم. فالراتب التقاعدي المتواضع لا يلبث أن ينخفض أكثر بعد وفاة المتقاعد، لتجد أسرته نفسها في مواجهة مصاعب لم تكن في الحسبان. وكأن موت المتقاعد ليس بحد ذاته فقدًا كافيًا، بل هو أيضًا بداية لمعاناة جديدة لأبنائه الذين يُحرمون من حقوقهم بحجج إدارية غير منصفة. هل هذا هو الجزاء العادل لمن خدموا وطنهم لعقود؟
ولا تقف المأساة هنا، بل تمتد إلى أبسط حقوق الإنسان: السكن. فكم من متقاعد اليوم لا يمتلك منزلاً يؤويه، بعدما أنفق سنوات عمره في خدمة مؤسسته، بينما تنمو صناديق التقاعد وتحقق الأرباح بفضل مساهماته؟ ألم يكن من الأجدر بهذه المؤسسات أن توفر حلولاً إسكانية ميسرة لمتقاعديها، بدلًا من أن تتركهم يواجهون ارتفاع الإيجارات وتكاليف المعيشة الباهظة دون أي دعم؟
إن المطلوب ليس إحالة مؤسسة التقاعد إلى جمعية خيرية، بل تطبيق مبدأ العدالة والإنصاف. فالمتقاعد لم يكن عالة على النظام طوال سنوات عمله، بل كان جزءًا أساسيًا من بنائه واستمراره. واليوم، لا يطلب المتقاعدون سوى حقوقهم المستحقة، لا أكثر ولا أقل. فهم الذين صنعوا هذه المؤسسات، وهم الذين يستحقون أن يعيشوا بكرامة وأمان بعد كل تلك السنوات من العطاء.
التقاعد يجب أن يكون بداية لمرحلة من الاستقرار والراحة، وليس بوابة للمعاناة والتجاهل. وفي زمن يُرفع فيه شعار الإصلاح والعدالة الاجتماعية، ألم يحن الوقت لإعادة النظر في حقوق المتقاعدين وضمان حياة كريمة لهم؟ هذا ليس ترفًا، بل استحقاق يجب على الجميع الدفاع عنه.





