قرأت لكم … الحطابي : قراءة في مسار الكونفدرالية الديمقراطية للشغل .. السياق والدلالات وسؤال المرحلة وانتظاراتها التنظيمية والنضالية

عن موقع أنفاس بريس
لحظة سياسية واجتماعية فارقة في المشهد السياسي بالمغرب حملها المؤتمر التأسيسي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل المنعقد يومي 25 و26 نونبر 1978 بالدارالبيضاء، تحت شعار “التعبئة لبناء إطار ديمقراطي وحدوي لتصحيح المسار التاريخي للطبقة العاملة” بإعلانه تأسيس بديل تاريخي للحركة النقابية، يعيد ربط النضال النقابي بالنضال الوطني التحرري، ويجعل كهدف أساس من هذه الانتفاضة التي ووجهت من قبل جيوب المقاومة للحركة التصحيحية بكل أشكال القمع والترهيب والتخويف والمطاردة للمناضلين، اطارا نقابيا وطنيا تقدميا لمواجهة التوجه الليبرالي الرأسمالي الذي اتبعته الدولة منذ سنة 1961 والذي أدى إلى تكريس الفوارق الاجتماعية وتوسيع دائرة الفقر وسط الجماهير الشعبية والتطاول الممنهج على حقوق العمال، في مقابل منح امتيازات واسعة لفئة من المحظوظين مكنتهم من السيطرة على خيرات البلاد وتكديس الثروات، وربط الاقتصاد الوطني أكثر من السابق بعجلة الرأسمال الأجنبي.
مرحلة، استدعت بسياقها الجيو سياسي وظرفيتها الاقتصادية وانتظاراتها الاجتماعية، الطبقة العاملة المغربية بعد تخلي الدولة عن تطبيق ظهير 1959 المتعلق بالسلم المتحرك للأجور والأسعار، ومراجعة ظهير 1957 المتعلق بالنقابات المهنية والانتهاك الصارخ وغير المنقطع للحريات النقابية، وتكريس التبعية الاقتصادية، (استدعت) انخراطها في هذه الانتفاضة العمالية بوعي سياسي وفاتورة نضالية بكناش تجاوزات تتعدد مظاهره وتتوزع بين التنقلات والتوقيفات التعسفية والعقوبات التأديبية إلى المتابعات القضائية المفبركة والطرد الفردي والجماعي للعمال تعسفا، من أجل القيام بعملية تصحيحية للمشهد النقابي بتأسيس تنظيم عمالي ديمقراطي وموحد. وهو ما تجلى في انبثاق نقابات وطنية كبديل تاريخي شملت قطاعات اقتصادية واجتماعية لها أهميتها الكبرى في الانتاج الوطني، لتتوسع دائرة هذه التنظيمات لتشمل اليوم كل مجالات الانتاج والخدمات والمهن.
ويمكن القول في هذه القراءة الأولية التي آثرنا فيها الوقوف عند سياق تأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن شعار المؤتمر التأسيسي “التعبئة لبناء إطار ديمقراطي وحدوي لتصحيح المسار التاريخي للطبقة العاملة المغربية” يجيب في متنه وما يختزله من أسئلة واشكالات جوهرية لواقع الأحداث وتطورها وسياقاتها، على سؤال المرحلة تلك، المتمثلة تحديدا في الأزمة الهيكلية العامة التي ضربت كل مناحي الحياة وذلك جراء الاختيارات اللاشعبية والنهج الرأسمالي الذي يكرس التبعية للإمبريالية ويزيد من حدة الاستغلال الذي تعاني منه الطبقة العاملة وكافة الجماهير الكادحة في بلادنا، وتقليص الحريات وتزييف الإرادة الشعبية في الانتخابات الجماعية والتشريعية والمهنية، واصطناع أغلبية برلمانية طيعة تعزز مصالح الطبقة البورجوازية، والرفع من قيمة الضرائب المباشرة وغير المباشرة التي تؤدي ثمنها الجماهير الشعبية، وهي الأزمة التي لاتزال ترخي بظلالها على كل فئات المجتمع وقطاعاته الاجتماعية الأساسية وتخوض اليوم الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في مواجهته، معارك نضالية بصيغ وتعبيرات احتجاجية على امتداد جغرافية البلاد، سنأتي على الكثير من تفاصيلها لاحقا.

تأسيس الكونفدرالية: جواب نقابي لمرحلة سياسية واجتماعية
لنحدد إذا، وإن بشكل مركز، بعضا من هذه الأجوبة على المرحلة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية لتأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والتي تشكل في بنائها المعماري المرجع النظري لفهم مواقف المنظمة من كل القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والمبادرات الحكومية التشريعية وغيرها من المواقف الماسة بالحقوق والحريات والمكتسبات، ويمكن أن نوجز مضامينها من مخرجات البيان العام التأسيسي الذي أكد بشكل صريح، تشبث الطبقة العاملة المغربية بالوحدة الترابية ورفض أية مساومة أو تنازل عن أي شبر من التراب الوطني، وطالب المسؤولين بالعمل على استرجاع مدينتي سبتة ومليلية وكل الجيوب المغتصبة من ترابنا الوطني، كما شدد على أن دعم المكتسبات الوطنية يقتضي الربط الجدلي بين تحرير الإنسان وتحرير الأرض، وتحقيق الشروط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لتعبئة الجماهير الشعبية ولصيانة وحدتنا الترابية واستكمال تحرير باقي أجزاء ترابنا الوطني المحتل.
إذا كانت هذه الأجوبة تلامس بمسافة متقدمة الوقع السياسي والاجتماعي فإنها كانت تدرك طبيعة التحديات والإكراهات والمخططات التي تروم اجهاض المشروع التصحيحي أو احتوائه وفصله عن الحركة الوطنية التقدمية ومشروعها السياسي، من هنا عمدت المنظمة إلى توسيع بيئتها الاجتماعية الحاضنة، من خلال تأكيد المؤتمر التأسيسي على أن الوضعية المتدهورة للطبقة العاملة يتحتم عليها أن تحكم تنظيماتها، وأن تعزز وحدتها في إطار الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وذلك من أجل الدفاع عن مطالبها العادلة وتحسين ظروف عيشها وعملها، واعتبر أن نجاح هذه الخطوة لن يتأتى إلا عبر نضال ديمقراطي مزدوج وطني ونقابي، يهدف إلى تعميق المكاسب الديمقراطية، وإلى الرفع من القدرة الشرائية للجماهير وإلى تطبيق قانون السلم المتحرك للأجور والأسعار، وإلى إيقاف مسلسل التفقير الذي يعاني منه الكادحون، وإلى فرض احترام البنود الإيجابية في قانون الشغل مع إصلاحه (مدونة الشغل) وإلى توسيع الخدمات الاجتماعية وإلى خلق الشروط الضرورية لمنع إقفال المعامل، وإلى مواجهة التسريحات الجماعية للعمال.






