خمسة أيام بأزمور.. السيوف والعربدة تفرض قانونها

يبدو أن مدينة أزمور قررت هذه السنة أن تحتفل بعيد الأضحى بطريقتها الخاصة، فبدل أجواء الفرح وصلة الرحم وتبادل التهاني، عاش المواطنون على إيقاع نسخة إستثنائية من “مهرجان العربدة المفتوح”، الذي أمتد لخمسة أيام كاملة، دون تذاكر دخول، وبمشاركة مجانية لفئة من المنحرفين الذين حولوا بعض أحياء المدينة إلى مسرح يومي للمطاردات والمشاجرات وإستعراض الأسلحة البيضاء.
فمنذ أول أيام العيد، وجد سكان المدينة أنفسهم أمام مشهد أقرب إلى أفلام الإثارة منه إلى واقع مدينة يفترض أنها تنعم بالأمن والإستقرار. سيوف وسكاكين وصراخ ومطاردات، بينما المواطن البسيط لا يملك سوى الدعاء بأن يصل إلى منزله سالما قبل أن يتحول إلى “كومبارس” في إحدى حلقات هذا المسلسل العبثي.
وبينما كان البعض منشغلا بشواء اللحم، كان آخرون منشغلين بترويج أصناف متنوعة من المخدرات، وكأن أزمور أصبحت معرضا مفتوحا للمواد الممنوعة، حيث تتوفر “الخدمات” بشكل أسرع من بعض الخدمات العمومية التي ينتظرها المواطن منذ سنوات.
الأكثر إثارة أن بعض الأزقة تحولت إلى نقاط سوداء معروفة لدى الكبير والصغير، حتى إن الزائر الجديد للمدينة لا يحتاج إلى دليل سياحي، فالجميع يعرف أين تباع الممنوعات وأين تدار فصول الفوضى اليومية، بإستثناء الجهات التي يفترض أنها مطالبة بوضع حد لهذا الوضع.
وجاءت ذروة الأحداث خلال الأيام التي تلت العيد، حين ظهر أحد المنحرفين بالقرب من محطة للوقود وهو يلوح بسلاح أبيض من حجم يسمح له بالمشاركة في مسابقة لتقطيع الأشجار، قبل أن يهاجم المواطنين والسيارات والدراجات النارية في مشهد جعل كثيرين يتساءلون إن كانوا داخل مدينة مغربية أم في تصوير جزء جديد من فيلم أكشن منخفض التكلفة.
ولولا تدخل عنصرين أمنيين فقط ! ، لكانت الحصيلة أكثر خطورة، خصوصا وأن المكان نفسه شهد قبل ذلك تهشيم سيارتين من طرف جانح في حالة هيستيرية، مدجج بسيف، وكأن الأمر يتعلق بإعادة عرض المشهد بطبعة جديدة وتحسينات إضافية.
أمام هذا الوضع، لم يعد بعض سكان أزمور يحلمون بمشاريع تنموية كبرى أو مرافق حديثة، بل أصبح أقصى طموحهم أن يتمكنوا من التجول في شوارع مدينتهم دون الخوف من سيف طائش أو معتد يبحث عن ضحية عابرة.
ويرى متتبعون أن أخطر ما في الأمر ليس فقط تنامي هذه المظاهر، بل محاولات التخفيف منها عبر بلاغات أو حملات إلكترونية متخصصة في التطبيل أكثر من تخصصها في نقل الواقع. فالمواطن لا يحتاج إلى من يقنعه بأن الأمور بخير، بل يحتاج إلى أن يرى ذلك بعينيه وهو يسير في الشارع بأمان.
إن أزمور اليوم لا تحتاج إلى خبراء في التبرير، ولا إلى جيوش إلكترونية تتهم الإعلام المحلي بالتهويل كلما نقل معاناة الساكنة، بل تحتاج إلى تدخلات ميدانية حقيقية تعيد هيبة القانون وتحاصر بؤر الجريمة وتمنح المواطنين حقهم الطبيعي في الأمن والطمأنينة.
فالأمن ليس منشورا على الفيسبوك، ولا بلاغا للإستهلاك، بل واقع يلمسه المواطن في الشارع. وعندما يصبح الخوف هو القاسم المشترك بين السكان، فإن أول خطوة نحو الحل هي الإعتراف بالمشكلة بدل محاولة تجميلها بالمنشورات والصور والتصفيق الإفتراضي.





