هل اقتربت ساعة الحقيقة؟ واشنطن تفتح ملف “المسيرة الخضراء الثانية” نحو سبتة ومليلية ؟ (La Segunda Marcha Verde: El Final del Colonialismo Español en África)

منذ يوم الإعلان التاريخي عن قرار الأمم المتحدة بخصوص مغربية الصحراء، والانتصارات الدبلوماسية المتتالية التي حققها المغرب في هذا الملف، راودتني فكرة ملحة بضرورة إجراء بحث مفصل واستقصائي حول ملف سبتة ومليلية. بقيت مترددا لفترة، أراقب تطورات الأحداث وأجمع الخيوط، إلى أن جاءت اللحظة الحاسمة بسماع الأنباء والتقارير الصادرة من الولايات المتحدة الأمريكية، والتي بدأت تضع النقاط على الحروف بخصوص مغربية سبتة ومليلية. هذا التحول الجديد جعلني أقرر الخروج بهذا البحث إلى العلن، خاصة وأننا أمام “فلاشات” دبلوماسية قادمة من مراكز الفكر والقرار في واشنطن، تعيد ملف المدينتين السليبتين إلى صدارة المشهد الدولي بطريقة غير مسبوقة. لم يعد الحديث اليوم مجرد مطالبات مغربية كلاسيكية، بل انتقل إلى أروقة معهد الشرق الأوسط ومنصات التحليل المقربة من البنتاغون، حيث بدأت تتعالى أصوات تدعو صراحة إلى إنهاء ما تصفه بالاحتلال الإسباني الأخير في أفريقيا…
ولا يمكن قراءة هذا التحول دون العودة إلى الجذور التاريخية التي تفسر عمق الجرح المغربي؛ فمدينة سبتة، التي كانت دائما حارسة المضيق، سقطت في يد البرتغاليين عام 1415 في بداية التوسع الاستعماري الأوروبي، قبل أن تنتقل إلى السيادة الإسبانية عام 1580 بعد اتحاد التاجين البرتغالي والإسباني، وظلت تحت قبضتهم حتى بعد انفصال البرتغال. أما مليلية، فقد سقطت عام 1497، أي بعد سنوات قليلة من سقوط غرناطة، حين استغلت إسبانيا ضعف الدولة الوطاسية آنذاك لإحكام سيطرتها على هذا المرفأ الاستراتيجي. إن الظروف التي أدت لضياع المدينتين كانت مرتبطة بلحظات ضعف تاريخية وحروب صليبية استهدفت السواحل المغربية، وهو ما يجعلهما في الوجدان المغربي أراض مغتصبة وليست مجرد نقاط حدودية، وخاصة أن المغرب لم يعترف يوما بشرعية هذا الوضع، وظل يطالب بهما في كل المحافل الدولية منذ فجر الاستقلال، معتبرا أن بقاءهما تحت الإدارة الإسبانية هو نشاز تاريخي يجب تصحيحه.
إن الخطورة في التقارير الأمريكية الحالية، وتحديدا ما طرحه الخبير الاستراتيجي مايكل روبن، تكمن في دعوتها الصريحة للمغرب لتبني استراتيجية المسيرة الخضراء الثانية بناء على هذا الإرث التاريخي. الفكرة تتلخص في تحرك مدني سلمي كثيف، مدعوم بزخم شعبي، يتجاوز الأسلاك الشائكة التي تفصل المدينتين عن عمقهما الطبيعي، وهي دعوة تجد صداها في الكونغرس الأمريكي بين نخب ترى أن إسبانيا لا يمكنها الاستمرار في رفع شعارات مناهضة الاستعمار عالميا بينما تحتفظ بآخر قلاعها فوق التربة الأفريقية التي احتلتها قبل قرون. هذا التحول الأمريكي لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة لاقتناع واشنطن بأن المغرب هو الشريك الاستراتيجي الموثوق والوحيد القادر على تأمين مضيق جبل طارق في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، وهو ما دفع الصحافة الإسبانية اليمينية إلى دق ناقوس الخطر، متهمة واشنطن بالخيانة الصامتة لحليف تاريخي في الناتو.
وعند الحديث عن الناتو، نصل إلى التفاصيل المملة التي تحاول مدريد إخفاءها عن شعبها؛ فالحقيقة القانونية الصادمة هي أن سبتة ومليلية لا تقعان تحت مظلة الحماية الجماعية لحلف الشمال الأطلسي. فالمادة السادسة من معاهدة واشنطن واضحة وضوح الشمس، فهي تحدد النطاق الجغرافي لتدخل الحلف في القارة الأوروبية وأمريكا الشمالية والجزر الواقعة شمال مدار السرطان في المحيط الأطلسي. وبما أن المدينتين تقعان جغرافيا في القارة الأفريقية، فإن المادة الخامسة التي تنص على أن الهجوم على عضو هو هجوم على الجميع، تصبح غير قابلة للتفعيل في هذه الحالة. هذا الفراغ القانوني هو ما يجعل إسبانيا تشعر بالعري الدفاعي، ففي حال قرر المغرب استعادة أراضيه بضغط سياسي أو بمسيرة شعبية سلمية، فإن الحلف لن يحرك ساكنا لإنقاذ إسبانيا، لأن واشنطن ترفض بشكل قاطع تعديل ميثاق الحلف ليشمل هذه الجيوب، معتبرة إياها قضايا تصفية استعمار ثنائية لا تهم الحلف الجماعي.
هذا الموقف الأطلسي الهش، معززا بالضغط الأمريكي الناعم، يضع إسبانيا في زاوية ضيقة، خاصة مع استمرار المغرب في نهج الحصار الهادئ عبر تطوير ميناء الناظور غرب المتوسط وتغيير البنية التحتية المحيطة بالثغور السليبة، وهو ما يحول المدينتين إلى جزر معزولة اقتصاديا تعيش على إعانات مدريد المكلفة. إن المقارنة بين اعتراف ترامب بمغربية الصحراء، والتقارير الحالية حول الشمال، تعكس سيناريو تدرجي يبدأ بتهيئة الرأي العام الدولي عبر مراكز الأبحاث، لينتهي بقرار سيادي قد يغير خريطة المنطقة للأبد. فهل تكون 2026 هي سنة الحسم التي تجد فيها إسبانيا نفسها مضطرة للتفاوض على الانسحاب كما فعلت في 1975، أم أن صرخة مدريد السخيفة هي بداية لصدام دبلوماسي سيمزق تحالفات دامت لعقود؟ الأكيد أن رياح التغيير تهب بقوة من وراء البحار، وأن مغربية سبتة ومليلية لم تعد مجرد أمنية، بل ملفا فوق طاولة الهندسة الجيوسياسية الكبرى.





