يشرعون بحرق الكتب ثم البشر .. تاريخ حرق المصاحف في أوروبا

بقلم عبد السلام حيدر

عن موقع : عربي بوست

أقول بداية إنني أنظر لحالات “حرق المصاحف”، في دول الشمال الأوروبي خاصة، ضمن تاريخ طويل لـ”حرق الكتب” في أوروبا، وفي خارجها بالطبع، ومن أسفٍ أن هذا التقليد المتخلف ما زال حياً ويتجلّى في عمليات حرق المصاحف بصفة خاصة.
وموضوع حرق الكتب مرتبط وبقوة بسيطرة النظم الفاشية، وتوجد أدبيات كثيرة حول هذا الموضوع، ويستوى في ذلك أكانت هذه النظم الفاشية ذات نزعة دينية أم نزعة علمانية جزئية أو حتى علمانية إلحادية.
وهنا أذكر إحدى مآثر أستاذي الدرعمي “الطاهر أحمد مكي”، عندما حكى لنا في إحدى محاضراته بدار العلوم أنه حين رجع من بعثته في نهاية سنة 1966 كان حكم الإعدام قد نُفذ بحقّ الكاتب المصري الشهير “سيد قطب”، وكان الأمر آنذاك بحرق كتبه في كل مكان، حتى في دار الكتب المصرية. وفي أحد أيام شهر ديسمبر (كانون الأول)، عندما وصل إلى دار العلوم، وجد موظفي المكتبة بالكلية قد جمعوا كتب “سيد قطب” في فناء الكلية يحرقونها.
وحكى لنا في محاضرته تلك أنه درّس للطلبة يومها “تاريخ حرق الكتب في الأندلس”. وقال لهم ولنا بالطبع: إن خطورة مثل هذا الأمر لخّصها الشاعر والمفكر الألماني “هاينرش هاينه” بأن “المكان الذي تُحرق فيه الكتب سرعان ما يُحرق فيه البشر”. وقال إن هذا حدث في المحرقة الكاثوليكية لمسلمي الأندلس، ثم في المحرقة النازية ليهود أوروبا وغجرها، ودوماً ما كان الأمر يبدأ بحرق الكتب وينتهي بحرق البشر.
وفيما بعد عندما درستُ تاريخ الأندلس بتمعّن وجدتُ أن الإسبان، وكانوا من الكاثوليك، ما إن يسيطروا على مدينة أندلسية حتى يحولوا مسجدها الجامع إلى كاتدرائية، ثم يرسلون المنادين في شوارع المدينة يأمرون من لديه كتب عربية ومصاحف أن يُحضرها عند الكاتدرائية (التي كانت مسجداً)، ويُذكّرون مَن يتخلف عن هذا، ومن يُخفي شيئاً من تلك الكتب بعقوبات محاكم التفتيش، التي تصل إلى الحرق على الأعمدة.
ونعرف على سبيل المثال أنه بعد سقوط غرناطة جمعت الكنيسة الكاثوليكية من مسلمي غرناطة أكثر من مليوني كتاب ومصحف، وأحرقتها في الساحة العامة لغرناطة سنة 1499م، وكان هذا بالطبع لأن الكنيسة الكاثوليكية رأت في هذه الكتب والمصاحف تهديداً لنقاء إيمان شعب الكنيسة. وبعد حرق كتبهم أدخلوهم في محرقة التنصير، ثم الطرد النهائي.
وبعد الفاشية الدينية في الأندلس كانت الفاشية القومية (النازية) في ألمانيا، فما إن وصل هتلر إلى الحكم حتى بدأ أيضاً بحرق الكتب، ولكن هذه المرة ليهود أوروبا ومن يتعاطف معهم، حتى إن كتب كبار الكتاب الألمان مثل “توماس مان” تم حرقها. وكان هذا أيضاً لأن النازية رأت في هذه الكتب تهديداً لنقاء العرق الآري، وبعد حرق الكتب أدخلوهم أيضاً في محرقة “الحل الأخير”، ولعل البعض لا يعرف أن المحرقة النازية طالت العرب والغجر أيضاً، ولكنهما سرعان ما انتهيا، بعكس اليهود.
فالفاشية القومية النازية لم تختلف كثيراً، لا في أساليبها ولا في نتائجها، عن الفاشية الدينية (الكاثوليكية) القروسطية.
وفي نهاية هذه الفقرة التاريخية لا بد وأن أشير أيضاً إلى أن محارق نهاية العصور الوسطى (الأوروبية) لم يكن ضحاياها من المسلمين فقط، بل ولم تكن بيد الكنيسة الكاثوليكية فقط، بل كانت الكنيسة البروتستانتية تحرق مخالفيها أيضاً. على سبيل المثال المصلح البروتستانتي “جون كالفن” أنشأ في جنيف (سنة 1541) دويلة بروتستانتية، مارست إرهاب الدولة ضد خصومها، وأشعلت لهم المحارق، سواء أكانوا خصوماً فعليين أم خصوماً مزعومين. على سبيل المثال، في 26 يوليو (تموز) 1545، أمر كالفن بقطع رأس الكاتب الليبرالي “جاكوب غروت” في جنيف، وذلك بعد أن تم تعذيبه. والسبب كما قال كالفن: “أنه كتب رسائل شيطانية وأبياتاً غير أخلاقية، وحاول أن يدمّر المنظومة الكنسية”. وبالطبع حرقت كتب الرجل أيضاً. وفي عام 1553 أمر بحرق الطبيب الشهير “مايكل سيرفيتوس” على العمود بتهمة الزندقة.
فهذا كما ترى تقليد قديم لم ينتهِ بعد، وتتمثل صورته الحالية في حالات “حرق المصاحف” في الدنمارك والسويد وغيرهما من دول الشمال الأوروبي. ويحاول الحُرّاق توسيع دائرة الحرق لتشمل أوروبا. وبالأمس القريب حاولوا القيام بذلك في فرنسا وبلجيكا، وبلغت بهم الجرأة والرغبة في الصدام أنهم خططوا للقيام بذلك أمام الأحياء التي بها كثافة كبيرة من المواطنين المسلمين. وقد قامت الحكومتان (البلجيكية والفرنسية) مشكورتان بالقبض على الحُرّاق وترحيلهم، ومنعهم مستقبلاً من دخول فرنسا وبلجيكا.
وهذا الموقف العقلاني لكل من بلجيكا وفرنسا يُذكِّرني بموقف محترم آخر في القضية نفسها قامت به الأردن، وهو ما سأذكره بعد قليل. وفائدة هذه المواقف العقلانية المحترمة أنها تدل على أنه بإمكاننا تحجيم هذا الفعل الظلامي المقيت، ومنعه بطرق سلمية: قضائية ودبلوماسية. وقد كتبت مقالتي هذه لأشير إلى بعضها، وكل ما سبق ما هو إلا تمهيد تاريخي لها.
عندما تتأمل حالات قيام المتطرفين الغربيين بحرق المصاحف تجد أن المتطرف اليميني يفعل ذلك غالباً في حماية شرطي أو أكثر، يكون موجوداً بدعوى أنه يحمي حرية التعبير عن الرأي. ونعرف بالطبع أنها حرية ليست مطلقة كما يدّعون، لأن هناك شخصيات وموضوعات لو مسّها أي من هؤلاء المتطرفين الغربيين (ولا فرق كبيراً بينهم فيما يخصنا) ستجد أن هذه الشرطة التي تحميه وهو يحرق المصحف تدور ناحيته وتقبض عليه.
فالشرطة بالطبع تعرف مسبقاً ما سيفعله اليميني المتطرف بالمصحف، لذا تبعث من يحميه، ما يوحي دوماً بأن هذا الموضوع ليس عفوياً، وإنما يكون بتنسيق وترتيب أمني؛ أي حكومي، والحقيقة لا شيء يتم هنا في الغرب بعيداً عن أعين الأمن، هم فقط لبراعتهم لا يُظهرون.
إذن لماذا يحدث هذا؟ لماذا لا يمنعه الأمن بداية باعتبار أن الحرق اعتداء على مشاعر مواطنين آخرين؟! في الغالب، وحسب ظني، بالطبع الأمر حيلة أمنية لاختبار رد فعل المواطنين المسلمين هنا، وإظهار العنيف منهم حتى يجري إقصاؤه أولاً بأول. ولذا فأسلم حل في هذه المواقف هو ألا يقوم المواطن المسلم بأي رد فعل فردي على الإطلاق، وأن يكون تحركه عبر المنظمات والجمعيات المعترف بها حكومياً، لممارسة ضغوط سياسية على الحكومة والجهات الأمنية التي تسمح بذلك.
وكذلك ينبغي لهذه الجمعيات والمنظمات المعترف بها حكومياً أن تمارس ضغطاً على سفارات الحكومات العربية والإسلامية لتفعل شيئاً. ولو كانت توجد حكومة عربية واحدة تأخذ أي رد فعل دبلوماسي على هذا الحرق لَمَا احتاج الأمر لهذه الضغوط، بل ولَمَا حدث شيء من هذا هنا (في الغرب).
فقط المطلوب أن تقوم هذه الحكومة، ولنقُل الأردن أو المغرب، باستدعاء سفير البلد الأوروبي، وتقديم تحذير بأن هذا سيؤثر على علاقات البلدين، وأن شعب هاتين الدولتين العربيتين سيُكوّن فكرة سيئة عن الدنمارك أو النرويج أو فرنسا، وأنهم قد يمارسون أيضاً حريتهم بالمقاطعة الاقتصادية للدولة التي تسمح بحرق المصاحف.
وينبغي أن يترافق ذلك مع قضايا جنائية ضد هذه الشخصيات المتطرفة. وعندما يصدر حكم ضدها يقدم طلب للقبض عليها إلى الإنتربول. وهذا أمر أثبت فاعليته وتأثيره. وأذكر في هذا السياق أن سياسياً هولندياً متطرفاً (لا داعي لذكر اسمه هنا) كان دائم التشنيع على الإسلام ونبيه، ويبالغ في ذلك دون خوف أو وجل، حتى رُفعت عليه قضية في الأردن وتم الحكم عليه فيها. ومنذ صدور الحكم وهو يخاف الذهاب إلى أي بلد بينه وبين الأردن اتفاقية تسليم مجرمين. وقبل أي زيارته لأي بلد يدرس قوانينه، حتى يتأكد أنه لا إمكانية لتسليمه إلى الأردن؛ ولذا قلّت حركته، وقلّ تظاهره بمعاداة الإسلام والمسلمين. بلد واحد قام بإجراء سلمي محترم تسبّب لهذا اليميني المتطرف في “هسس” حقيقي، فامتنع، أو كَادَ.
فأي متطرف يميني عندما يشعر أنه سيتأثر شخصياً وسيُلاحَق قضائياً، وأنّه مهدد بالسجن في مكان ما سيخاف ويرعوي، وربما لا يعود لفعلته، ولا يزداد تطرفه ضدنا. لكن للأسف، أين هو البلد المحترم الذي يمكن أن يوقف أمر حرق المصاحف قضائياً، ويجعل أي متطرف يميني يخاف من الإقدام على الحرق حتى لو في بيته.

About الجديدة نيوز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

x

Check Also

قراءة في كتاب: “عين الشق: الحي والنواة والامتداد”

  علال بنور صدر سنة 2021 للباحث السوسيولوجي والناقد عبد الله اتهومي، كتاب حي عين ...