24 ساعةأخبار إقليم الجديدةالواجهةمجرد رأي

أزمور.. حين تخفت أصوات الإحتجاج ويسود الصمت

تبدو مدينة أزمور اليوم وكأنها تعيش مرحلة مغايرة تماما لتلك التي عرفتها خلال السنوات الماضية، حين كانت ساحاتها وفضاءاتها العمومية تعج بالوقفات الإحتجاجية والمسيرات، وتتحول إلى منابر مفتوحة للتعبير عن مواقف الساكنة ومطالبها بشأن قضايا إجتماعية وإقتصادية وحقوقية وسياسية مختلفة.

في تلك المرحلة، لم تكن أصوات المحتجين ترتفع فقط رفضا للزيادات في أسعار المواد الغذائية ودفاعا عن القدرة الشرائية للمواطنين، بل كانت الساحات أيضا تحتضن وقفات تضامنية مع الشعوب التي تعاني من الإحتلال والإضطهاد، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني ، في مشهد كان يعكس حضورا لافتا للمجتمع المدني وقدرته على التعبير والترافع والدفاع عن القضايا التي يعتبرها عادلة ومشروعة .

لكن المشهد اليوم يبدو أكثر هدوءا ، بل يطرح أسئلة كثيرة.

ففي الوقت الذي لا تزال فيه المدينة تواجه عددا.من الإشكالات المرتبطة بالتنمية والخدمات العمومية والمشاريع المتعثرة وتدبير الشأن المحلي، تراجعت بشكل ملحوظ تلك الدينامية الإحتجاجية التي كانت تميز أزمور، وأصبحت الساحات العمومية أقل حضورا في النقاش العمومي ، بعدما كانت في فترات سابقة فضاءا للتعبير والإحتجاج والمساءلة .

فهل يتعلق الأمر بمجرد تراجع طبيعي في وتيرة الإحتجاج ؟ أم أن هناك أسبابا أخرى تقف وراء هذا الصمت ؟.

السؤال لا يستهدف جهة بعينها، ولا يراد منه إصدار أحكام جاهزة ، بقدر ما يفتح نقاشا حول واقع الفعل المدني والسياسي والحقوقي داخل المدينة. وحول قدرة مختلف الفاعلين على تجاوز خلافاتهم وتوجيه جهودهم نحو القضايا التي تهم المواطن الأزموري بشكل مباشر.

فالإختلاف بين الفاعلين أمر طبيعي، بل هو جزء من الحياة الديمقراطية . لكن حين يتحول الإختلاف إلى تنافر ، وحين تصبح الخلافات الشخصية أو السياسية عائقا أمام التنسيق والترافع المشترك، فإن المتضرر الأول قد يكون هو النقاش العمومي نفسه .

والمدينة لا تحتاج إلى إحتجاج من أجل الإحتجاج، ولا إلى معارك تستهدف الأشخاص أو الأحزاب والمؤسسات، وإنما تحتاج إلى إحتجاج مسؤول، وترافع ديمقراطي ، ونقد بناء ، ومساءلة تستند إلى المعطيات والقانون.

كما أن الدفاع عن مصالح أزمور لا ينبغي أن يتحول إلى صراع مع المؤسسات الوطنية أو المساس بالثوابت والمقدسات التي تشكل الإطار الجامع للمغاربة ، بل يمكن ممارسة النقد والمطالبة بالمحاسبة وتحسين الخدمات داخل المؤسسات وبالوسائل الديمقراطية التي يتيحها القانون.

ومن هنا ، فإن تراجع الحراك المدني لا ينبغي أن يقرأ فقط بإعتباره غيابا للوقفات والمسيرات، بل بإعتباره مناسبة لإعادة طرح سؤال أعمق ، هل ما زال المجتمع المدني في أزمور يمتلك القدرة نفسها على الترافع الجماعي حول القضايا التي تهم المدينة وساكنتها ؟،

فالعديد من الملفات المحلية ما تزال تحتاج إلى نقاش عمومي جاد، من المشاريع المتعثرة ، إلى جودة الخدمات العمومية ، مرورا بحماية المجال والموارد الطبيعية، ووصولا إلى قضايا التنمية وفرص الإستثمار وتحسين الظروف الإجتماعية والإقتصادية للساكنة .

ولا يمكن لأي مدينة أن تحقق التقدم إذا أصبح المواطن متفرجا ، والمجتمع المدني منقسما ، والنقاش العمومي غائبا .

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه مدينة ليس فقط تعثر مشروع أو ضعف خدمة عمومية ، وإنما أن يفقد المواطن الإحساس بقدرته على التأثير ، وأن تتراجع ثقافة الترافع ، وأن يصبح الصمت هو اللغة السائدة في مواجهة القضايا التي تستحق النقاش.

أزمور ليست مدينة بلا قضايا ، وليست مدينة بلا طاقات أو كفاءات. ، بما راكمته من تاريخ وحضور ثقافي ومدني ، قادرة على إستعادة دينامية نقاشها العمومي ، متى توفرت الإرادة لدى مختلف الفاعلين لوضع مصلحة المدينة فوق الحسابات الضيقة .

المطلوب اليوم ليس العودة إلى الإحتجاج من أجل الإحتجاج، وإنما إعادة الإعتبار إلى ثقافة الحوار والمساءلة والترافع المدني المسؤول، وإلى قدرة أبناء المدينة على الإختلاف دون أن يتحول الإختلاف إلى خصومة ، و دون أن يتحول النقد إلى إستهداف، و المطالبة بالحقوق دون تجاوز حدود القانون.

وفي النهاية، يبقى أسئلة مفتوحة،

هل تستعيد أزمور صوتها المدني ؟ وهل تعود ساحاتها فضاءا للنقاش والإحتجاج المسؤول والترافع من أجل قضايا الساكنة ؟.

الإجابة لن تكون بالشعارات ، وإنما بقدرة مختلف الفاعلين على تجاوز خلافاتهم ، والعودة إلى معركة واحدة تجمعهم ، معركة الدفاع عن أزمور ومصالح سكانها في إطار القانون والمؤسسات وبما يحفظ كرامة المواطن ويعزز التنمية ويخدم المصلحة العامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى