أزمور… من يخشى صوت المدينة ؟

ليست المأساة الحقيقية التي تعيشها أزمور في الطرق المهترئة، ولا في إحتلال الملك العمومي، ولا في فوضى البناء غير القانوني، ولا حتى في المشاريع التي طالها التعثر حتى أصبحت جزءا من المشهد اليومي. المأساة الأكبر هي أن المدينة تبدو وكأنها أصبحت تحاكم لأنها ترفض الصمت، وينظر إليها بعين الريبة لأنها ما زالت تملك مواطنين يكتبون ، ويحتجون، ويراسلون المؤسسات ، ويطالبون بحقهم في مدينة تستحق الحياة.
أي منطق هذا الذي يجعل المطالبة بالتنمية تفسر على أنها تهديد ؟ وأي عقلية تلك التي ترى في الناشط الحقوقي أو الفاعل الجمعوي خصما لمجرد أنه كشف إختلالا أو طالب بمحاسبة مسؤول ؟.
الأخطر من ذلك، هو ما يتداوله عدد من الفاعلين المحليين حول وجود محاولات لإلصاق أوصاف وتوجهات فكرية أو سياسية بأشخاص لا تعرف عنهم تلك الإنتماءات، وكأن الغاية ليست البحث عن الحقيقة ، بل تشويه كل صوت يرفض الرضوخ للأمر الواقع . فهل أصبح الدفاع عن مدينة أنهكها التهميش جريمة ؟ وهل تحولت المطالبة بالكرامة إلى تهمة جاهزة ؟.
في المقابل، لا أحد يستطيع إنكار ما تعيشه أزمور من إختلالات يعرفها القاصي والداني : إحتلال للملك العمومي بلغ مستويات غير مقبولة، وبناء غير قانوني يتمدد في أكثر من حي، ومشاريع متعثرة، وفرص إستثمارية ضائعة، وتراجع مؤلم لمدينة كانت يوما منارة تاريخية وثقافية وسياحية.
لكن، بدلا من مواجهة هذه الملفات بشجاعة، يبدو أن البعض يفضل البحث عن شماعة يعلق عليها فشله، فتارة تحمل المسؤولية للمواطن الذي كتب منشورا ، وتارة للصحفي الذي نشر مقالا ، وتارة للنشطاء الذين مارسوا حقهم في التعبير. وكأن الأزمة ليست في سوء التدبير، بل فيمن كشف سوء التدبير.
ومن أكثر الروايات التي تستحق التوقف عندها، الإدعاء بأن المستثمرين يعزفون عن أزمور بسبب ما ينشر في الصحافة أو على مواقع التواصل الإجتماعي. والحقيقة التي لا تحتاج إلى كثير من الجدل هي أن المستثمر يبحث أولا عن بيئة يسودها القانون، وإدارة ناجعة، ومرافق مؤهلة، ووضوح في الرؤية. أما الإعلام ، فليس سوى مرآة تعكس الواقع ، ولا يصنعه.
إن المدينة لا تشوه عندما يكتب عن مشاكلها، بل تشوه عندما تستمر تلك المشاكل سنوات دون حلول، وعندما يصبح كشفها أخطر من وجودها.
ويبقى السؤال الذي ينتظر الرأي العام جوابا واضحا عنه : لماذا يشعر بعض المسؤولين بالإنزعاج من صوت المواطن أكثر من إنزعاجهم من مظاهر الفوضى التي تنخر المدينة ؟ ولماذا ينظر إلى النقد بإعتباره خصومة، بدل إعتباره فرصة لتصحيح المسار ؟.
أما الوطنية، فلا تقاس بالصمت، ولا بعدد عبارات المديح، وإنما بالغيرة الصادقة على الوطن ومؤسساته، وبالإيمان بأن خدمة المواطنين هي أسمى أشكال الوفاء لهذا البلد. وساكنة أزمور، كما يؤكد تاريخها ومواقفها، لم تكن يوما خارج هذا الإجماع الوطني، بل ظلت متشبثة بثوابت المملكة، ومعتزة بالمؤسسة الملكية، ومتطلعة إلى أن تحظى مدينتها بما تستحقه من عناية وإنصاف.
لقد آن الأوان بأن يتوقف البحث عن خصوم وهميين ، وأن يبدأ البحث عن حلول حقيقية ، فأزمور لا تحتاج إلى تقارير تجمل الواقع أو تشوه أبناءها، بل تحتاج إلى مسؤولين يملكون شجاعة الإعتراف قبل شجاعة الإصلاح. لأن المدن لا يقتلها النقد… بل يقتلها الصمت، ويقتلها الإصرار على إنكار الحقيقة.




