سي محمد زياد.. حين ترحل القامات الهادئة وتبقى سيرتها تنير الذاكرة


ليست كل الشخصيات التي ترحل تغيب عن الذاكرة، فهناك من يظل حاضرا بما تركه من أثر طيب، وما غرسه من قيم، وما قدمه من عطاء صامت لا تصنعه الأضواء ولا تصاحبه الضوضاء. ومن بين هذه الوجوه التي فقدتها مدينة أزمور، يظل إسم المرحوم سي محمد زياد واحدا من الأسماء التي أرتبطت بالثقافة والمعرفة والتواضع، فكان حضوره في المدينة أكبر من أي منصب، وأعمق من أي لقب.
كان الراحل مثقفا عصاميا، صنع نفسه بنفسه، وجعل من القراءة أسلوب حياة، ومن الكتاب والصحيفة رفيقين دائمين لا يفارقانه. أعتاد سكان أزمور رؤيته وهو يحمل جريدته أو كتابه، في مشهد أصبح جزءا من ذاكرة المدينة، يعكس عشقه الصادق للمعرفة وإيمانه بأن الثقافة ليست ترفا، بل مسؤولية ورسالة.
ولم يكن سي محمد زياد يحتكر ما يقرأه أو يتعلمه، بل كان يؤمن بأن قيمة المعرفة تكمن في تقاسمها مع الآخرين. لذلك ظل مجلسه مفتوحا لكل من يبحث عن فكرة أو رأي أو نقاش هادئ، يبادل الجميع الحديث بكل تواضع، ويمنحهم من رصيده الفكري والإنساني دون تكلف أو إنتظار مقابل.
ويستحضر أبناء أزمور اليوم ذكراه بكل تقدير وإمتنان، مستعيدين لقاءاتهم معه وما حملته من حكم ونصائح وتجارب أغنت عقولهم ووسعت آفاقهم. فقد كان قريبا من الجميع، يحاور الشباب قبل الكهول، ويشجع على المطالعة، ويزرع في النفوس حب المعرفة، مؤمنا بأن بناء الإنسان يبدأ ببناء الفكر.
ويحكي أحد معارفه أنه، رغم فارق السن بينهما، كان يعتبر كل لقاء مع الراحل فرصة للتعلم والإستفادة، لما أتسمت به أحاديثه من عمق وإتزان، ولما كان يتحلى به من أخلاق رفيعة وإحترام للآخر، وهي شهادة تختصر جانبا من شخصية رجل كسب محبة الناس بسلوكه قبل كلماته.
لقد كان رحيل سي محمد زياد خسارة حقيقية لمدينة أزمور، لأنها فقدت أحد وجوهها الثقافية الهادئة، وأحد الرجال الذين أختاروا أن يتركوا بصمتهم في العقول والقلوب، لا في العناوين والصخب. وسيظل إسمه حاضرا في ذاكرة كل من عرفه، بإعتباره مثالا للمثقف الذي جعل من الأخلاق والمعرفة رسالة حياة، ومن التواضع عنوانا لمسيرته.
رحم الله سي محمد زياد رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما زرعه من علم ومحبة وإنسانية صدقة جارية في ميزان حسناته، لتبقى سيرته الطيبة شاهدة على أن الرجال يرحلون بأجسادهم، لكن آثارهم تبقى خالدة في ذاكرة الأوطان.





