24 ساعةأخبار إقليم الجديدةالواجهة

أزمور.. هل أصبحت الفيلات تهمة عمرانية والعمارات مشروعا للأرباح ؟

في مدينة أزمور ، يبدو أن بعض العقارات لا تنام وبعض الأراضي لا تعرف الراحة وبعض العيون لا تفارق تصاميم التهيئة ليس حبا في الهندسة المعمارية ، ولا غيرة على جمالية المدينة ، وإنما ربما بحثا عن تلك المعجزة العقارية التي تحول أرضا مصنفة للفيلات إلى مشروع عمارات وتحول المساحات المفتوحة إلى جدران إسمنتية وتحول الإستثمار العقاري إلى سباق محموم نحو تعظيم الأرباح .

هنا لا يتعلق الأمر بمجرد إختلاف في وجهات النظر حول التعمير بل بسؤال جوهري يفرض نفسه بإلحاح .

هل يفترض أن تصمّم المدينة وفق حاجيات سكانها ومصلحة أجيالها القادمة أم وفق ما قد يدره تغيير التصنيف العمراني من أرباح على بعض المستثمرين ؟.

ففي الوقت الذي تنتظر فيه مدينة أزمور مشاريع تنموية حقيقية تعيد إليها بريقها وتمنحها هوية عمرانية متوازنة ، يطفو إلى السطح نقاش حساس بشأن أراض عارية مصنفة ضمن مناطق الفيلات وسط تساؤلات حول إمكانية تحويلها إلى مناطق تسمح بإقامة عمارات من أربعة طوابق ، تزامنا مع إقتراب إعداد تصميم التهيئة الجديد من مراحله النهائية .

وهنا تبدأ الحكاية التي تستحق أكثر من علامة إستفهام .

يا لها من مفارقة عمرانية تستحق التأمل مدينة تحتاج إلى فضاءات مفتوحة وإلى تنفس عمراني وإلى أحياء تحترم شروط العيش الكريم ، لكنها تجد نفسها أمام نقاش حول مصير مناطق مخصصة للفيلات ، وكأن هذه الأخيرة أصبحت عبئا ينبغي التخلص منه بينما ينظر إلى العمارات وكأنها العصا السحرية القادرة على حل جميع مشاكل العقار.

فهل أصبحت الفيلا خطرا يهدد التنمية ، بينما تحولت العمارة إلى عنوانها المقدس؟ وهل صار الحفاظ على التوازن العمراني ترفا لا يستحق الدفاع عنه ، أم أن بعض الحسابات العقارية قد تجعل من كل متر مربع فرصة ذهبية لا ينبغي التفريط فيها ؟.

بالطبع لا أحد يعارض الإستثمار العقاري المسؤول ولا أحد يرفض حق المالك في الإستفادة المشروعة من عقاره ، لكن الإستثمار شيء والتصرف في مستقبل مدينة بأكملها بمنطق الربح وحده شيء آخر تماما .

فالمدينة ليست مجرد رقعة شطرنج ولا تصميم التهيئة ورقة قابلة للتعديل كلما تغيرت حسابات السوق ، إنه وثيقة تؤطر مستقبل المجال العمراني وتحدد طبيعة الأحياء وتوازن بين حقوق الملاك ومصلحة السكان ومتطلبات التنمية المستدامة .

أما إذا أصبحت التصنيفات العمرانية موضوعا للتجاذب والمساومات فإن السؤال لن يعود متعلقا بعدد الطوابق المسموح بها بل بمن يحدد شكل المدينة ، ولأي غاية ، وعلى حساب من؟

المشكلة ليست في العمارات من حيث المبدأ ، فالتوسع العمودي قد يكون خيارا عمرانيا مشروعا حين يستند إلى دراسات دقيقة ويحترم البنية التحتية ويستجيب لحاجيات السكان ويوفر شروط السلامة والتهوية والإنارة والولوج إلى الخدمات الأساسية .

لكن المشكلة تبدأ حين يختزل مفهوم التنمية في تكثيف البناء ، ويقاس نجاح التعمير بعدد الطوابق التي أرتفعت ، لا بجودة الحياة التي تحققت .

عندها يصبح من السهل تسويق المزيد من الإسمنت بإعتباره إنجازا تنمويا وتقديم تغيير التصنيفات العمرانية بإعتباره تحديثا للمدينة ، حتى وإن كان من الضروري طرح أسئلة جدية حول أثر ذلك على حركة السير وشبكات التطهير السائل والماء والكهرباء والمرافق العمومية والمساحات الخضراء .

وإذا كانت مدينة أزمور تعاني أصلا من خصاص في بعض المرافق والفضاءات الخضراء ، فإن المنطق السليم يقتضي معالجة هذا الخصاص لا تعميقه ، وتوسيع الخيارات العمرانية المتوازنة ، لا تحويل كل مساحة قابلة للبناء إلى فرصة إضافية لرفع كثافة الإسمنت .

فما جدوى عمارات ترتفع طوابقها في السماء إذا كانت الأحياء المحيطة بها تختنق على الأرض ؟

وما قيمة واجهات أنيقة وشقق متعددة ، إذا كان السكان سيجدون أنفسهم أمام نقص في المرافق والفضاءات المشتركة والخدمات الأساسية ؟

إن التنمية ليست مسابقة في صب الخرسانة ولا بطولة في تكديس الطوابق ولا شهادة تفوق تمنح لمن ينجح في إستغلال أكبر مساحة ممكنة من الأرض. التنمية الحقيقية هي أن نبني مدينة تصلح للعيش ، لا مجرد مدينة تصلح للبيع.

ومع إقتراب إستكمال إعداد تصميم التهيئة الجديد من طرف المصالح المختصة بالوكالة الحضرية ، وإنتظار عرضه على المجلس الجماعي وفق المساطر المعمول بها ، تجد مدينة أزمور نفسها أمام محطة مفصلية ستحدد جانبا مهما من ملامح مستقبلها العمراني .

وهنا لا مجال للعبارات الفضفاضة ولا للشعارات التي تتحدث عن المصلحة العامة دون أن تقدم إجابات واضحة .

المطلوب هو الشفافية والوضوح وإتاحة المعلومات المتعلقة بالإختيارات العمرانية المقترحة وتوضيح الأسس التقنية التي ستعتمد في تحديد مناطق الفيلات والعمارات ، مع ضمان دراسة آثار أي تغيير محتمل على التجهيزات العمومية والبيئة وجودة الحياة .

وإذا كانت هناك مقترحات لتغيير تصنيف بعض الأراضي فمن حق الرأي العام أن يعرف مبرراتها والمعايير المعتمدة بشأنها ومدى إنسجامها مع التوجه العام للتصميم وما إذا كانت تحقق مصلحة عمرانية حقيقية أم تطرح مخاطر تتعلق بتكثيف البناء دون توفير الشروط الضرورية لذلك .

فلا يكفي أن يقال إن المدينة تتطور، لأن التطور ليس كلمة سحرية تسقط الأسئلة ولا بطاقة إعفاء من المحاسبة ولا رخصة مفتوحة لتحويل كل فضاء إلى مشروع عقاري .

إن تصميم التهيئة ليس قائمة أمنيات عقارية ، ولا ينبغي أن يتحول إلى وثيقة تفصل على مقاس أصحاب المصالح ، بل هو تعاقد مجالي مع الساكنة ، يفترض أن يضع المصلحة العامة فوق كل إعتبار.

فقد سبق أن أثيرت ملاحظات بشأن غياب المساحات الخضراء في عدد من التجزئات السكنية بأزمور ، وهي ملاحظات تستدعي الوقوف عندها بجدية بالنظر إلى الدور الحيوي الذي تؤديه هذه الفضاءات في تحسين جودة الحياة وتوفير متنفسات للسكان.

فإذا كانت المدينة لم تتمكن بعد من توفير ما يكفي من الحدائق والفضاءات الخضراء في بعض أحيائها ، فإن التفكير في مستقبل مناطق الفيلات ينبغي أن يندرج ضمن رؤية عمرانية شاملة ، لا ضمن نقاش تقني معزول عن واقع المدينة وإحتياجاتها.

مدينة أزمور ليست في حاجة إلى سباق جديد نحو تشييد الصناديق الإسمنتية ، بل إلى نموذج عمراني يحترم خصوصيتها ، ويصون ما تبقى من توازنها ، ويمنح أبناءها فضاءات تستحق إسم المدينة الحديثة .

أما أن تتحول كل أرض عارية إلى مصدر للقلق بشأن ما قد يحدث لتصنيفها، فذلك يفتح الباب أمام سؤال مشروع: هل نخطط لمستقبل المدينة ؟ أم ننتظر أولا معرفة ما الذي يمكن أن تربحه بعض المشاريع من هذا المستقبل؟

والفرق بين الأمرين شاسع .

فالأول تخطيط للمصلحة العامة والثاني، إن ثبت حضوره في أي ملف إختزال خطير للتنمية في الحسابات الخاصة .

إن الرهان اليوم ليس في الدفاع عن الفيلات ضد العمارات ولا في إعلان الحرب على الإستثمار العقاري ، وإنما في الدفاع عن حق مدينة أزمور في تعمير متوازن ، لا يخضع إلا للقانون والدراسات الموضوعية ومتطلبات الصالح العام.

كما أن أي حديث عن وجود لوبيات عقارية أو محاولات للتأثير في تصنيفات الأراضي يظل بحاجة إلى معطيات دقيقة ووثائق واضحة ، حتى لا يتحول النقد المشروع إلى أحكام مسبقة ، لكن هذا لا يمنع من المطالبة بالشفافية وطرح الأسئلة الصعبة ومراقبة القرارات التي يمكن أن ترسم مستقبل المدينة لعقود مقبلة .

فمدينة أزمور ليست ملكا لجيل واحد ولا لمجلس جماعي واحد ولا لمستثمر واحد مهما بلغت قدرته المالية . إنها مدينة لها تاريخ وذاكرة وهوية ، ولأبنائها الحق في أن يروا فيها فضاءات خضراء وأحياء متوازنة ومرافق عمومية ، لا أن يرثوا إختناقا عمرانيا يصعب إصلاحه .

وفي إنتظار الكشف عن تفاصيل تصميم التهيئة الجديد ، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل بال الجميع.

هل سنحافظ على مناطق الفيلات حيث تقتضي المصلحة العمرانية ذلك ؟ ، أم سنفتح الباب أمام مزيد من الطوابق تحت عنوان التنمية ، ثم نكتشف لاحقا أن ما أرتفع من الإسمنت أكبر بكثير مما أرتفع من جودة الحياة ؟

في مدينة أزمور لا نحتاج إلى عبقرية هندسية خارقة لتحويل كل أرض إلى عمارة ، بل إلى حكمة عمرانية تمنع تحويل المدينة إلى سوق مفتوحة للمتر المربع .

فالأرض العارية قد تنتظر مشروعا ، نعم لكن المدينة تنتظر من يحمي مستقبلها أيضا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى