البيعة ليست ملاذًا لتبييض السمعة… بل ميثاق للأمانة و الاستقامة أمام أمير المؤمنين الملك محمد السادس
بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

بعد ساعات قليلة، يتجه المغرب إلى إحياء واحدة من أعرق محطاته الدستورية والدينية و السياسية، حفل الولاء بمناسبة عيد العرش، حيث تتجسد رمزية البيعة باعتبارها عهدًا بين العرش والشعب، وتجسيدًا لاستمرارية الدولة ووحدة الأمة في ظل إمارة المؤمنين.
لكن هذا المشهد المهيب يفرض سؤالًا لا يجوز الهروب منه:
هل تكتمل قدسية البيعة إذا كان من يمثل الأمة في هذا المقام لا يحظى بثقة الرأي العام الوطني و المحلي و الإقليمي و الجهوي أو تحوم حوله شبهات الفساد والإستبداد ونهب المال العام و لصوص أموال الشعب و ممتلكاته و منهم من يحاكم و منهم من قضى عقوبتة السجنية و منهم من يتمتع بحماية من زعماء الأحزاب السياسية والنقابات و جهات أخرى.
إن قوة المؤسسة الملكية لم تكن يومًا مستمدة من الأشخاص الذين يقفون في صفوف التشريفات، بل من شرعيتها التاريخية والدستورية والدينية و السياسية، ومن ارتباطها بالشعب. ولذلك فإن الحفاظ على هيبة هذه المؤسسة يقتضي أن يكون من يمثل المواطنين في هذا الموعد الوطني الكبير محل احترام وثقة و بعيدا عن كل الشبهات من برلمانيين و رؤساء الجماعات و الجهات و وزراء و كبار موظفي وزارة الداخلية و غيرهم من الواقفين أمام أميرالمؤمنين، لأن صورة الدولة لا يصنعها البروتوكول وحده، بل يصنعها أيضًا مستوى من يتقدمون لتمثيل الأمة.
لقد جعل القرآن الكريم الأمانة أساس الولاية، فقال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
وقال سبحانه:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾
وقال عز وجل:
﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾
كما قال رسول الله ﷺ:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».
وقال أيضًا:
«إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة». قيل: وكيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: «إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله».
هذه النصوص ليست مواعظ تُتلى في المساجد فقط، بل هي قواعد للحكم الرشيد، ومعايير لاختيار من يتحمل المسؤولية العامة.
إن المواطن المغربي الذي يعاني من غلاء المعيشة والبطالة واتساع الفوارق الاجتماعية و الفقر و التهميش والدعارة والجهل و التفقير ، ينتظر أن يرى في المناسبات الوطنية رسالة تؤكد أن الدولة تضع النزاهة والكفاءة و نظافة اليد و الأخلاق و القيم و الاستقامة في مقدمة معايير المسؤولية. فكلما ارتبطت المناسبات الكبرى بصورة رجال ونساء مشهود لهم بالاستقامة، ازداد احترام الناس لمؤسساتهم، وتعززت الثقة بين الدولة والمجتمع.
إن الدفاع عن قدسية البيعة لا يعني التشكيك في المؤسسة الملكية، بل العكس تمامًا. فمكانة أمير المؤمنين تسمو على الأشخاص، وهيبة العرش تقتضي أن تبقى هذه المناسبة بعيدة عن كل ما قد يثير الجدل أو يضعف ثقة المواطنين في من يمثلهم.
إن المغرب في حاجة إلى تجديد الثقة بين الدولة والمجتمع، وإلى ترسيخ ثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى يشعر المواطن أن من يتقدم لتمثيله في المناسبات الوطنية الكبرى هو بالفعل أهل للأمانة، لا لمجرد المنصب.
فالبيعة ليست امتيازًا بروتوكوليًا، ولا مناسبة للتشريف الشخصي، ولا وسيلة لاكتساب الشرعية الاجتماعية لأهل الفساد والإستبداد و الظلم، بل هي عهد أخلاقي وسياسي و ديني يقتضي أن يكون من يحمله جديرًا بثقة الوطن واحترام المواطنين.
إن قوة الدولة لا تكمن في كثرة المصفقين، بل في صدق الأمناء. أما المؤسسة الملكية، فستظل قوية بشرعيتها التاريخية والدستورية والدينية، وتزداد قوة كلما أحاط بها رجال ونساء يجعلون الأمانة فوق المصلحة، وخدمة الوطن فوق كل اعتبار.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.





