خطبة الجمعة : النظام العالمي في مأزق، والإسلام هي الحل
إعداد وإلقاء : عزيز الدروش – محلل وفاعل سياسي

الخطبة الأولى: فساد العالم وسقوط منظومة القيم والعدالة
الحمد لله الذي أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الظلم والفساد والطغيان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، نبي الرحمة والعدل والإنسانية، وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله،
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. \[سورة النحل، الآية 90\].
هذه الآية العظيمة ليست مجرد توجيه أخلاقي، بل هي دستور متكامل لبناء مجتمع عادل، ودولة قوية، وعالم يحترم الإنسان وكرامته وحقوقه.
أيها المؤمنون،
إن العالم اليوم يعيش أزمة غير مسبوقة. حروب ودمار، مجاعات وفقر، احتلال وتهجير، واستغلال للشعوب، في الوقت الذي تتحدث فيه القوى الكبرى عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والقانون الدولي.
فأين هي هذه المبادئ أمام ما يجري في فلسطين؟ وأين هي المؤسسات الدولية التي تأسست لحماية السلم والأمن العالميين؟ وكيف أصبح مجلس الأمن عاجزاً عن وقف الحروب وحماية الأبرياء؟
لقد شاهد العالم ما وقع في العراق وسوريا، وما يجري في الشرق الأوسط، وما عرفته أوكرانيا، وما تتعرض له دول أخرى من تدخلات وصراعات. كما أن التصرفات الأمريكية تجاه فنزويلا وغيرها تطرح أسئلة جدية حول احترام سيادة الدول والقانون الدولي.
أصبحنا أمام عالم تحكمه القوة والمصالح، وتُستعمل فيه المؤسسات والشعارات بحسب مصالح الأقوياء.
عباد الله،
إن من المفارقات العجيبة أن المؤسسات التي تدعي حماية الاقتصاد العالمي، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أصبحت في تجارب عديدة مرتبطة بسياسات اقتصادية أثقلت كاهل الشعوب، وفرضت عليها شروطاً قاسية، دون أن تنجح دائماً في إنهاء الفقر والتفاوت الاجتماعي.
أما المؤسسات السياسية، من برلمانات وحكومات وأحزاب ونقابات وجمعيات حقوقية، فقد أصبحت في دول كثيرة تواجه أزمة ثقة ومصداقية.
فليس كل اقتراع ديمقراطية، وليس كل برلمان يمثل الشعب، وليس كل حكومة تخدم المواطنين، وليس كل مؤسسة تحمل اسماً حقوقياً تدافع بالضرورة عن حقوق الإنسان.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. \[سورة الشعراء، الآية 183\].
أيها المؤمنون،
إننا حين ننظر إلى واقعنا المغربي، نجد أنفسنا أمام أسئلة مؤلمة.
كيف يعقل أن يمتلك المغرب ثروات وإمكانات اقتصادية كبيرة، بينما تعاني فئات واسعة من المواطنين من الفقر والبطالة وغلاء المعيشة وضعف الخدمات الصحية والتعليمية؟
كيف نقبل أن يعيش بعض المسؤولين في مظاهر البذخ والامتيازات، من سيارات فاخرة وسفريات وإقامات في فنادق خمس نجوم ودرجة رجال الأعمال، بينما يُطلب من المواطن البسيط أن يكتفي بدعم محدود، وأن يتحمل ارتفاع الأسعار وصعوبة الحياة؟
كيف نبرر الإنفاق غير الضروري على الندوات واللقاءات والاستقبالات، في الوقت الذي تحتاج فيه القرى والمناطق المهمشة إلى المدارس والمستشفيات والطرق والماء الصالح للشرب؟
إن المسؤولية أمانة، والمال العام ملك للشعب، وليس غنيمة للمسؤولين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». متفق عليه.
عباد الله،
إن من أخطر مظاهر الفساد أن يتحول النقاش العمومي من محاسبة المسؤولين عن الاختلالات الداخلية إلى اتهام الآخرين والمؤامرات الخارجية.
نعم، هناك مصالح دولية وتدخلات خارجية، ولكن لا يجوز أن نتخذها ذريعة للهروب من مسؤوليتنا في إصلاح مؤسساتنا ومحاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية.
إن معالجة حراك الريف وغيره من الاحتجاجات الاجتماعية لا تكون بتجاهل المطالب أو اختزالها في الاتهامات، وإنما بالإنصات للمواطنين والاستجابة لمطالبهم المشروعة في الكرامة والعدالة والتنمية.
عباد الله، إن المشكلة ليست في قلة المؤسسات، بل في غياب العدل داخل المؤسسات.
الخطبة الثانية: الإسلام ومنظومة العدل والتكافل
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
أيها المؤمنون،
إذا أردنا البحث عن نظام أخلاقي واجتماعي يضع العدالة في قلب الحياة الإنسانية، فعلينا أن نتأمل في المبادئ العظيمة التي جاء بها الإسلام.
فالإسلام لم يجعل المال وسيلة للهيمنة، ولم يجعل السلطة امتيازاً شخصياً، ولم يجعل الفقر قدراً مفروضاً على الضعفاء.
قال الله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾. \[سورة الحشر، الآية 7\].
هذه الآية تحمل مبدأ عظيماً في العدالة الاقتصادية، وهو ألا تظل الثروة محصورة بين فئة قليلة، بينما تعيش الأغلبية في الحرمان والحاجة.
وانظروا إلى الزكاة، التي ليست مجرد عبادة مالية، بل مؤسسة للتكافل والتضامن وإعادة توزيع الثروة، تقوم على الإيمان والضمير والمسؤولية أمام الله.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. \[سورة التوبة، الآية 60\].
فالزكاة تربي الإنسان على الأمانة، وتجعله يستحضر رقابة الله، وتؤكد أن للفقير حقاً في مال الغني.
لكن ذلك لا يعني الاستغناء عن المؤسسات والقوانين والرقابة والمحاسبة، بل يعني أن تكون هذه المؤسسات مبنية على الأخلاق والنزاهة والعدل.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رواه مسلم.
أيها المؤمنون،
إننا اليوم بحاجة إلى مراجعة عميقة للنموذج السياسي والاقتصادي العالمي، وإلى دعوة المفكرين والعلماء والفقهاء والفلاسفة والحقوقيين وكل الشرفاء في العالم إلى التفكير في نظام جديد.
نظام لا تحكمه شريعة الأقوى، ولا تسيطر عليه مصالح تجار الحروب والسلاح، ولا تتحول فيه الانتخابات إلى مجرد وسيلة لتجديد النخب نفسها.
نظام يقوم على العدل والحرية والكرامة والتكافل، ويحارب الفساد والاستبداد، ويضمن التوزيع العادل للثروة، ويجعل الإنسان محور التنمية والغاية من وجود المؤسسات.
ومن هنا أقول: إن الإسلام هو الحل، ليس باعتباره شعاراً سياسياً، ولا وسيلة للاستيلاء على السلطة، وإنما باعتباره منظومة متكاملة من القيم والمبادئ والأخلاق والعدل والرحمة والتضامن.
إن البشرية لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل تحتاج إلى الصدق والأمانة والعدل، وإلى مسؤولين يخافون الله في شعوبهم، ويعتبرون خدمة الإنسان أمانة لا امتيازاً.
اللهم اجعلنا من أهل العدل والإحسان.
اللهم ارفع الظلم عن المظلومين، وانصر المستضعفين في فلسطين وسائر بلاد المسلمين.
اللهم احفظ المغرب وأهله، وأصلح أحواله، ووفق مسؤوليه لما فيه خير البلاد والعباد.
اللهم ارزقنا حكاماً عادلين، ومؤسسات نزيهة، ومجتمعاً متضامناً، واجعل المال العام أمانة مصونة من الفساد والنهب.
اللهم اجعل العدل أساس الحكم، والرحمة أساس التعامل، والكرامة حقاً لكل إنسان.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
هذه صيغة خطابية مقترحة مستلهمة من بنية خطبة الجمعة، وليست خطبة موحدة أو نصاً صادراً عن جهة دينية رسمية.





