الجمعية الإقليمية للشؤون الثقافية بالجديدة.. غياب يثير الأسئلة، وأنشطة بأزمور تفتح باب التساؤل
بقلم: ياسين زوهيري

أين الحصيلة الثقافية؟ وأين المكتبة المتنقلة؟ وهل تغيّرت بوصلة العمل الثقافي بالإقليم؟
الثقافة بالإقليم.. مسؤولية تتجاوز حدود المدن
أين الحصيلة؟ وأين التواصل مع الرأي العام؟
يبدو أن المشهد الثقافي بإقليم الجديدة يطرح اليوم مجموعة من الأسئلة التي تستحق نقاشًا هادئًا ومسؤولًا، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو التشكيك في النوايا. وفي مقدمة هذه الأسئلة يبرز موقع الجمعية الإقليمية للشؤون الثقافية بالجديدة، وحصيلة حضورها خلال السنوات الأخيرة، ومستقبل المبادرات التي ارتبط اسمها بها، وفي مقدمتها مشروع المكتبة المتنقلة.
فالجمعيات الثقافية لا تُقاس أهميتها فقط بما تنظمه من لقاءات وندوات وأنشطة موسمية، وإنما كذلك بمدى استمرارية عملها، وقدرتها على الوصول إلى مختلف الفئات الاجتماعية والمجالات الترابية، وإسهامها الفعلي في ترسيخ ثقافة القراءة وتشجيع الإبداع وتوسيع دائرة الاستفادة من الخدمات الثقافية.
ومن هذا المنطلق، يصبح التساؤل عن الحضور الفعلي للجمعية خلال السنوات الأخيرة أمرًا مشروعًا، خاصة في ظل ما يبدو من تراجع حضورها في النقاش الثقافي المحلي، أو على الأقل غياب التواصل الكافي بشأن برامجها وحصيلتها ومشاريعها المستقبلية. فهل يتعلق الأمر بتراجع في الأنشطة، أم بتغيير في الأولويات، أم أن هناك برامج ومبادرات لم تحظ بالتغطية الإعلامية اللازمة؟ تلك أسئلة لا يمكن حسمها إلا بتوضيحات من الجهات المعنية.
لقد أثار الاهتمام ببعض الأنشطة الثقافية بمدينة أزمور تساؤلات لدى متتبعين للشأن الثقافي بالإقليم، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بجمعية يحمل اسمها صفة الإقليم، بما توحي به من انفتاح على مختلف المدن والجماعات، وعدم حصر المبادرات في مجال جغرافي واحد.
ولا أحد يجادل في الأهمية الثقافية والتاريخية لمدينة أزمور، بما تختزنه من تراث مادي ولامادي وذاكرة حضارية تستحق التثمين والتعريف. بل إن تعزيز حضورها في المشهد الثقافي يشكل مكسبًا للإقليم برمته.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يمثل الاهتمام بأزمور توجهًا ثقافيًا جديدًا ضمن رؤية إقليمية متكاملة، أم أنه يعكس
إن الأمر لا يتعلق بوضع الجديدة في مواجهة أزمور، ولا بالمفاضلة بين المدينتين، بل بالدعوة إلى تحقيق التوازن الثقافي داخل الإقليم، وضمان توزيع عادل للأنشطة والمبادرات، وفق حاجيات الساكنة وإمكانات الشراكة المتاحة.
وإذا كانت الجمعية قد اختارت تطوير أنشطتها بأزمور، فمن حق الرأي العام أن يعرف خلفيات هذا الاختيار، وأهدافه، ومدى ارتباطه ببرنامج عمل واضح يستفيد منه مجموع الإقليم.
من بين الملفات التي تستحق التوضيح ملف المكتبة المتنقلة، التي ارتبطت فكرتها بتقريب الكتاب من القراء، ولا سيما الأطفال واليافعين في المناطق التي يصعب فيها الوصول إلى المكتبات الثابتة.
فمثل هذه المبادرات ليست مجرد أنشطة ظرفية، بل يمكن أن تشكل رافعة حقيقية لتشجيع القراءة، ومحاربة الهدر الثقافي، وتقليص الفوارق في الولوج إلى المعرفة بين المجالين الحضري والقروي.
ومن هنا، يبرز سؤال أساسي: أين توجد حافلة المكتبة المتنقلة اليوم؟ وهل ما تزال تؤدي وظيفتها؟ وما مصير الرصيد الوثائقي الذي كانت تتيحه للقراء؟ وهل هناك برنامج معلن لجولاتها واستهدافها للمدارس والمؤسسات والجماعات القروية؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني الجزم بتوقف الحافلة أو تعطيل المشروع، وإنما يروم المطالبة بتوضيح رسمي بشأن وضعه الحالي، ومدى استمراريته، والنتائج التي حققها، والآفاق الممكنة لتطويره.
فإذا كانت هذه المبادرة قد حققت نتائج إيجابية في مرحلة سابقة، فإن الحفاظ عليها وتقييمها وتوسيع نطاق الاستفادة منها ينبغي أن يظل أولوية، بدل ترك مصيرها موضوعًا للتخمين والتساؤل.
يزداد هذا النقاش أهمية عندما نستحضر وجود جمعيات وفعاليات مدنية بإقليم الجديدة تشتغل على القراءة والكتاب، وتنظم ورشات تربوية وثقافية، وتسعى إلى تنمية مهارات الأطفال والشباب، وتشجيع المطالعة، وإشاعة ثقافة الإبداع.
وهنا يطرح سؤال آخر نفسه: ما موقع هذه الجمعيات من البرامج الثقافية التي تشرف عليها أو تساهم فيها المؤسسات والجمعيات ذات الامتداد الإقليمي؟ وهل توجد قنوات واضحة للتواصل والتنسيق معها؟ وما المعايير المعتمدة لاختيار الشركاء وتوزيع فرص المشاركة؟
إن العمل الثقافي الجاد لا ينبغي أن يقوم على المبادرات المنعزلة أو العلاقات الظرفية، بل على بناء شبكة من التعاون والتكامل بين مختلف الفاعلين، بما يتيح تبادل التجارب، وترشيد الإمكانات، وتوسيع قاعدة المستفيدين.
كما أن وجود جمعيات تشتغل في المجال نفسه ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره فرصة لتطوير المشاريع المشتركة، وليس سببًا للتنافس السلبي أو إضعاف المبادرات المتنوعة. فالمعيار الحقيقي هو جودة المشروع، ووضوح أهدافه، وأثره على المستفيدين.
ومن حق الفاعلين الثقافيين، في المقابل، أن يطالبوا بالشفافية في تدبير الشراكات، ووضوح شروط الاستفادة، وتكافؤ الفرص، وإتاحة المعلومات المتعلقة بالبرامج والمبادرات.
إن من بين ما يحتاج إليه المشهد الثقافي المحلي اليوم هو تعزيز ثقافة التقييم والتواصل، من خلال تقديم حصيلة دورية للأنشطة، والإعلان عن المشاريع المستقبلية، وتوضيح النتائج المحققة، والصعوبات التي تعترض تنفيذ البرامج.
ومن هذا المنطلق، فإن المكتب المسير للجمعية الإقليمية للشؤون الثقافية بالجديدة مدعو إلى تقديم توضيحات للرأي العام بشأن حصيلة السنوات الأخيرة، وأولويات المرحلة المقبلة، وموقع مدينة الجديدة وباقي الجماعات ضمن برامجه، فضلًا عن الوضع الحالي للمكتبة المتنقلة.
كما أن الجهات المؤسساتية الشريكة، إن وُجدت، يمكنها الإسهام في توضيح مآل المشاريع المشتركة، بما يعزز الثقة ويتيح تقييمًا موضوعيًا لما تحقق وما لم يتحقق.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا النقاش باعتباره استهدافًا للجمعية أو انتقاصًا من أي مبادرة ثقافية تقوم بها؛ بل هو دعوة إلى جعل المعلومة متاحة، والحصيلة قابلة للتقييم، والبرامج منفتحة على مختلف الفاعلين.
إن الجديدة وأزمور وسائر جماعات الإقليم تشكل فضاءً ثقافيًا متنوعًا، تتعدد فيه الذاكرات والتجارب والطاقات الإبداعية. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في نقل النشاط من مدينة إلى أخرى، بل في بناء رؤية ثقافية إقليمية متكاملة، تجعل من كل مدينة وجماعة مجالًا للمبادرة والإبداع والاستفادة.
فالثقافة ليست ملكًا لجهة أو جمعية بعينها، والقراءة ليست نشاطًا موسميًا، والكتاب ليس مجرد وسيلة لتزيين البرامج والمناسبات. إنها عناصر أساسية في بناء الإنسان، وتنمية الوعي، وتعزيز المشاركة المدنية، ولا سيما لدى الأطفال والشباب.
و يبقى السؤال مفتوحًا أمام الجمعية الإقليمية للشؤون الثقافية بالجديدة: ما حصيلة السنوات الأخيرة؟ وما الذي يفسر الحضور الملحوظ لبعض أنشطتها بأزمور؟ وأين وصلت المكتبة المتنقلة؟ وما رؤيتها لإشراك الجمعيات النشيطة في مجال القراءة والكتاب؟
إن تقديم أجوبة واضحة عن هذه الأسئلة من شأنه أن يضع النقاش في إطاره الصحيح، ويبدد الالتباس، ويفتح المجال أمام تعاون ثقافي أكثر فعالية وإنصافًا.
فما يحتاج إليه إقليم الجديدة ليس صراعًا بين المدن أو الجمعيات، بل سياسة ثقافية تقوم على الوضوح والاستمرارية والتعاون، وتمنح الكتاب والقراءة المكانة التي يستحقانها.
الثقافة مسؤولية مشتركة، ولأن الحق في المعرفة لا ينبغي أن تحدّه الجغرافيا، فإن من حق الرأي العام أن يسأل، ومن واجب الفاعلين الثقافيين أن يوضحوا، ومن مصلحة الجميع أن تتحول الأسئلة إلى فرصة لتصحيح المسار وتطوير العمل الثقافي بالإقليم.





