مطرح النفايات بالشماعية: مأساة بيئية تهدد الأحياء والمؤسسات التعليمية وحرمة القبور.. فمتى ينتهي صمت المسؤولين؟

أكثر من عقدين من الوعود المؤجلة والحلول الترقيعية، والساكنة وتلاميذ المؤسسات التعليمية وأطرها التربوية يكتوون بنيران الروائح الكريهة والدخان، في وقت يتساءل فيه الجميع عن جدوى المجالس المنتخبة في حماية حق المواطن في بيئة سليمة، وحتى احترام حرمة الموتى بالمقبرة المجاورة.

إلى متى ستظل مدينة الشماعية تؤدي ضريبة تدبير محلي وُصِف مراراً بالفاشل؟ وإلى متى ستبقى أصوات الساكنة المبحوحة ومطالبها المشروعة حبيسة رفوف التجاهل والانتظار القاتل؟ أسئلة حارقة تفرض نفسها بإلحاح بالغ، وتتقاطع كلها عند نقطة سوداء واحدة باتت تشكل كابوساً يومياً يؤرق ليل ونهار أهالي المدينة: إنه “المطرح العشوائي للنفايات”، ذلك الجرح البيئي والإنساني المفتوح الذي ينزف منذ أكثر من عشرين سنة.
لم يعد الفجر في الشماعية يحمل معه نسمات الصباح العليلة ولا رائحة الطبيعة التي ألفها الأجداد، بل بات محموماً بهجمات شرسة لروائح كريهة ومقرفة، تزحف في صمت لتهجم على دور السكن وتقتحم غرف النوم والمؤسسات التعليمية مع خيوط الفجر الأولى. هواء نقي كان إلى عهد قريب متنفساً للجميع، تحول بفعل هذا المطرح اللعين إلى غازات خانقة تخترق الصدور، لتنقلب أبسط حقوق الإنسان —وهو حق استنشاق هواء نظيف— إلى رفاهية بعيدة المنال.

ولعل ما يزيد من مأساوية الوضع، هو التموقع الكارثي لهذا المطرح الذي لا يحترم أدنى معايير التعمير أو الصحة البيئية؛ فهو جثم، بكل ما يحمله من سموم وأزبال، على مرمى حجر من أحياء سكنية مكتظة، ومن مؤسسات تربوية يرتادها المئات من التلاميذ والأساتذة الذين تحولت أقسامهم إلى فضاءات للمعاناة الصحية والمزاجية بدل التحصيل العلمي.
وإن كان الأحياء قد تقطعت بهم السبل في إيجاد آذان صاغية، فإن الكارثة الأخلاقية والإنسانية العظمى تكمن في جوار هذا المطرح لمقبرة المدينة. فإذا كان الأحياء قد عانوا الأمرين من هذا العبث البيئي، فهل يُعقل ألا يجد الموتى حتى حرمة في مثواهم الأخير؟ لقد عانى هؤلاء وهم أحياء، وها هم اليوم يُهانون وهم أموات وسط محيط تسلبه النفايات مهابته وقداسته، في مشهد يدمي قلوب كل من يملك ضميراً حياً.

أمام هذا الوضع المأساوي، تبرز التساؤلات المشروعة والمؤلمة حول دور كل من المجلس الجماعي للشماعية والمجلس الإقليمي: هل هما عاجزان إلى هذه الدرجة عن إيجاد بديل عقاري وتحويل هذا المطرح بعيداً عن التجمعات البشرية والمرافق الحيوية؟ أم أن إرادة الإصلاح غائبة تماماً، وأن الأولوية لا تندرج ضمن اهتمامات مسيّري الشأن المحلي الذين لم يقدموا طيلة العقدين الماضيين سوى مسكنات و”روتوشات” واهية لم تزد الواقع إلا مرارة وقبحاً؟
عشرون سنة من الاحتجاجات، ومراسلات لا تُحصى، ووقفات متكررة، والنتيجة صفر؛ لا شيء تغير سوى اتساع رقعة النفايات وتفاقم الأضرار الصحية والبيئية.
نداء عاجل إلى السيد العامل:
وأمام هذا العجز المتواصل والوعود الزائفة التي أرهقت كاهل الساكنة، لم يعد أمام أهالي الشماعية سوى رفع صرخة استغاثة مستعجلة إلى السيد عبد المؤمن طالب، عامل إقليم اليوسفية المحترم؛ مناشدين إياه بالتدخل الشخصي والحازم للإشراف على إغلاق هذا المطرح الكارثي وإيجاد بديل بيئي يصون صحة الأحياء ويحفظ حرمة الأموات، لتعيش الساكنة أخيراً في بيئة سليمة وهواء نقي.





