الفاهم يفهم : الحرية مسؤولية والمهنة إلتزام: حين تتحول الهواتف إلى «واجهات إعلامية» بغير حق

إن ما يشهده الفضاء الرقمي اليوم من إقدام بعض أصحاب الحسابات الشخصية على التقاط صور الأفراد ونشرها دون إذن صريح، يطرح إشكالية أخلاقية وقانونية عميقة تتجاوز مجرد السلوك الفردي غير المسؤول. فتداول صور الناس في غياب موافقتهم، وإقحامها ضمن محتويات تُصَدَّر للرأي العام في سياق يوحي بوجود “تغطية إعلامية” أو صفة مهنية، يعد خلطاً خطيراً بين النشر الشخصي والعمل الصحفي الملتزم.
إن استخدام منصات التواصل الاجتماعي لا يمنح أي طرف سلطة مطلقة لاستباحة خصوصيات الآخرين أو التقاط صورهم واستغلالها. فالصفة الإعلامية لا تُكتسب بمجرد امتلاك حساب افتراضي أو فتح بث مباشر، كما أن الحضور في اللقاءات والأنشطة العامة لا يشكل تشيكاً على بياض للتصوير والنشر
لقد أفرز التحول الرقمي المتسارع، وما رافقه من اتساع كبير في استخدام منصات التواصل الاجتماعي، واقعاً إعلامياً جديداً أصبح فيه الهاتف المحمول أداة للتصوير والتوثيق والنشر، وأصبحت بعض الحسابات الشخصية تؤدي، أحياناً، أدواراً تشبه أدوار المنابر الإعلامية، دون أن تكون بالضرورة مؤسسات إعلامية أو أن يكون أصحابها صحفيين مهنيين أو مراسلين معتمدين. وبين حرية التعبير وحق المواطن في التوثيق، وبين احترام القانون وحقوق الآخرين، يبرز سؤال جوهري: أين تنتهي الحرية، وأين تبدأ المسؤولية؟
فالمشهد الذي نعيشه اليوم لم يعد يقتصر على الصحفي الذي يحمل كاميرا ويشتغل لفائدة مؤسسة إعلامية معروفة، بل أصبحنا أمام أشخاص يحملون هواتفهم، يحضرون الأنشطة واللقاءات، يلتقطون الصور والفيديوهات، ثم ينشرونها على حساباتهم الشخصية، وأحياناً يقدمون أنفسهم للرأي العام وكأنهم يمثلون مؤسسة إعلامية أو يمارسون مهنة الصحافة، دون توضيح الصفة أو الجهة التي يعملون لفائدتها.
وهنا لا بد من التمييز بين حرية التصوير والتعبير من جهة، وممارسة الصحافة كمهنة من جهة أخرى. فامتلاك هاتف ذكي أو صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي لا يمنح صاحبه تلقائياً صفة صحفي مهني أو مراسل صحفي، كما أن كثرة المتابعين أو عدد المنشورات لا يمكن أن تكون وحدها معياراً للمهنية الإعلامية.
إن العمل الإعلامي الحقيقي مسؤولية قبل أن يكون حضوراً أمام الكاميرا، وهو يقوم على جمع المعلومات والتحقق منها ونقلها بموضوعية، واحترام كرامة الأشخاص وحقوقهم، والتمييز بين الخبر والرأي، والابتعاد عن التشهير والإشاعات، واحترام القواعد القانونية والأخلاقية التي تؤطر الممارسة الإعلامية.
ومن بين الإشكالات التي تستحق الوقوف عندها أيضاً مسألة تصوير الأشخاص ونشر صورهم دون مراعاة السياق والحقوق المرتبطة بها. فكون شخص ما حاضراً في نشاط أو لقاء عام لا يعني بالضرورة أن صورته أصبحت مباحة للاستعمال كيفما اتفق وفي أي سياق. كما أن نشر صورة شخص مقرونة بتعليق أو مادة قد تمس بسمعته أو كرامته يطرح مسؤوليات أكبر من مجرد التقاط الصورة.
لذلك، فإن من يمارس التصوير والنشر في الفضاء العام مطالب بأن يتحلى بالوعي والمسؤولية، وأن يعرف أن الصورة ليست مجرد ملف رقمي، وإنما قد ترتبط بشخص وخصوصيته وكرامته وحقوقه. وعندما يتعلق الأمر بمعالجة معطيات شخصية أو نشرها، فإن الأمر قد يدخل في نطاق القواعد القانونية الخاصة بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، بحسب طبيعة المعالجة والسياق والغرض منها.
كما أن على من يقدم نفسه باعتباره إعلامياً أو مراسلاً أن يكون واضحاً في صفته، وأن يميز بين الحساب الشخصي والمنبر الإعلامي، وبين النشاط الشخصي والعمل الصحفي المهني. فالمصداقية الإعلامية لا تُصنع بوضع كلمة «إعلامي» في خانة التعريف، ولا بكثرة الصور والمنشورات، وإنما بالممارسة الفعلية، والمهنية، والتحقق، واحترام أخلاقيات العمل الصحفي.
إننا لا ندعو إلى تقييد حرية التعبير، ولا نريد أن يتحول النقاش إلى محاولة لإسكات كل من يحمل هاتفاً أو يدير صفحة إلكترونية. بالعكس، إن حرية التعبير والتواصل حقان أساسيان، لكنهما يرتبطان بالمسؤولية. ومن حق كل شخص أن ينتقد وأن يعبر عن رأيه، لكن ليس من حقه أن يجعل من حرية التعبير غطاءً للتشهير أو الإساءة أو نشر معطيات أو صور بطريقة قد تلحق الضرر بالآخرين.
والمطلوب اليوم ليس محاربة التكنولوجيا ولا التضييق على المواطنين، وإنما ترسيخ ثقافة إعلامية رقمية مسؤولة، تجعل من الهاتف وسيلة للتوثيق والتواصل، وليس أداة للتشهير أو صناعة الاتهامات أو انتحال صفات مهنية.
كما أن المؤسسات والجمعيات والمنظمين للأنشطة مدعوون بدورهم إلى توضيح قواعد التصوير والتغطية الإعلامية خلال أنشطتهم، وتنظيم عملية الحصول على الصور والتسجيلات واستخدامها بما يراعي طبيعة النشاط وحقوق المشاركين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأطفال أو الأشخاص في وضعيات تستدعي حماية خاصة.
وفي المقابل، فإن المراسل أو الصحفي الذي يؤدي مهمته بمهنية واحترام للقانون يستحق الاحترام والحماية، لأن الصحافة الجادة ليست خصماً للمجتمع، بل إحدى أدوات تنويره ونقل قضاياه ومساءلة المسؤولين. ولذلك فإن الخلط بين الصحفي المهني وبين أي شخص يلتقط الصور وينشرها على حسابه الشخصي يضر بالمهنة وبالعاملين فيها على حد سواء.
لقد آن الأوان لكي نضع حداً لفكرة أن كل من يحمل هاتفاً وكاميرا هو إعلامي، وكل من يملك صفحة هو مراسل، وكل من ينشر خبراً أصبح صحفياً. الإعلام مهنة لها أخلاقياتها ومسؤولياتها، والصفة المهنية ليست مجرد لقب يُمنح للنفس.
وفي النهاية، فإن الرسالة بسيطة وواضحة: صوّر، وثّق، عبّر، وانتقد، ولكن تحمل مسؤولية ما تفعل وما تنشر. احترم الإنسان قبل الصورة، والحقيقة قبل السبق، والقانون قبل الإثارة، والمهنة قبل اللقب.
فالحرية ليست حصانة من المسؤولية، والهاتف ليس بطاقة صحافة، وعدد المتابعين ليس شهادة مهنية، والمنشور ليس دائماً خبراً.
ومن أراد أن يمارس الإعلام، فليحترم المهنة؛ ومن أراد أن ينتقد، فليحترم الإنسان؛ ومن أراد أن يصوّر، فليحترم الحقوق.
لأن الإعلام الحقيقي لا تُقاس قوته بعدد الصور التي يلتقطها، وإنما بمدى احترامه للحقيقة والإنسان والقانون





