اليوسفية : أراضي الجموع بمركز رأس العين: معضلة التقييد باسم المالك الأصلي في سجلات المسح.. وخروج آمن يحفظ حقوق ذوي التنازلات القانونية


تشكل أراضي الجموع (الأراضي السلالية) رافعة أساسية للتنمية المحلية والجهوية، ووعاءً عقارياً استراتيجياً يفترض أن يواكب دينامية التعمير والاستقرار الاجتماعي. غير أن عملية المسح العقاري الشامل التي عرفها مركز جماعة رأس العين، وإن كانت خطوة مؤسسية هامة نحو تطهير العقار وتحقيق الأمن العقاري، إلا أنها أفرزت على الأرض وضعية شائكة ومعقدة تستوجب التفاتة حقيقية وحلولاً استثنائية عاجلة.
وتتجلى هذه المعضلة بوضوح عندما تُقيد الرسوم العقارية ونتائج التحفيظ باسم “المالك الأصلي” (سواء كان وارثاً سلالياً أو مقيماً قديماً)، في الوقت الذي استمر فيه مواطنون آخرون في استثمار أموالهم وجهدهم لسنوات طويلة، مشترين هذه البقع داخل المركز عبر عقود “تنازل” عُرفية اعتادوا التعامل بها وتوارثوها كأعراف سارية منذ زمان طويل.
إن العشرات من الأسر وأصحاب التنازلات بمركز رأس العين يجدون أنفسهم اليوم في وضعية قانونية غامضة؛ فهم يملكون بقعاً أرضية حيوية داخل المدار الحضري أو القروي للمركز، يحدوهم أمل مشروع في بناء مساكنهم الاستقرارية والخروج من أزمة الكراء أو السكن الهش. والمؤكد في هذا الإطار أن هؤلاء المواطنين لا يسعون لإحداث بناء عشوائي أو تجاوز الضوابط، بل يعبرون عن رغبة جادة وحثيثة في بناء منازلهم وفق الطرق والإجراءات القانونية المعمول بها وباحترام تام لكافة رخص وضوابط التعمير النافذة، لكنهم يصطدمون بعقبة تقييد العقار باسم البائع الأول (أو ذوي الحقوق المقيدين أصلاً) أثناء عمليات المسح والتحديد الإداري.
وهنا يطرح السؤال المشروع الذي يفرض نفسه بقوة: ما ذنب هؤلاء المواطنين الذين صرفوا أموالهم ومدخراتهم في اقتناء هذه البقع بحسن نية تامة، ويتطلعون لامتثال تام للقانون؟
لقد كانت أمنياتهم بسيطة ونيتهم سليمة؛ فقد آمنوا بهذه الأرض واستثمروا فيها مستندين إلى وثائق وأعراف تعاملوا بها في أراضي الجموع لسنين طويلة، معتبرين إياها سندا لإثبات معاملاتهم، ليجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها في وضع إداري معلق، محرومين من أبسط حقوق الاستقرار والتوثيق الرسمي.
هذا الوضع لا يهدد الاستقرار الاجتماعي والنفسي لهؤلاء المواطنين فحسب، بل يعطل أيضاً عجلة الاستثمار المحلي، ويجعل قطاع التعمير بالمنطقة يدور في حلقة مفرغة، خصوصاً وأن المعنيين بالأمر لا يسعون للسطو أو الترامي، بل يطالبون بتسوية أوضاعهم بناءً على معاملات تعكس حسن نية متبادل ومستندات تاريخية متداولة محلياً.
إن تجاوز هذه الأزمة وإيجاد “خروج آمن” يحفظ الحقوق لا يتطلب المستحيل، بل يستدعي تحركاً مرناً ومسؤولاً من الجهات الوصية (وزارة الداخلية ممثلة في مديرية الشؤون القروية، الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، والسلطات الإقليمية والمحلية):
إجراء تحيين ميداني وتقني (Mise à jour du levé topo):
تكليف مهندس مساح طبوغرافي محلف لإجراء عملية مسح ميداني وتقني شامل، تطابق فيه البيانات الطبوغرافية حدود التجزئة والتواجد الميداني الفعلي للواقع الراهن، وتوثيق الحدود الحقيقية لكل بقعة بناءً على الحيازة المادية المستقرة لأصحاب التنازلات الحاليين، بما يصحح أخطاء الحصر الشامل المؤقت المسجل باسم المالك الأول.
إحداث لجان إقليمية مختلطة للتسوية:
تشكيل لجنة تقنية وقانونية محلية بإقليم اليوسفية (تضم السلطة المحلية، المصالح العقارية، وممثلي النواب السلاليين) لدراسة ملفات التنازلات حالة بحالة، وتوثيق التصريحات المشتركة بين البائعين الأصليين والمشترين الجدد.
تفعيل مسطرة التفويت والتمليك الاستثنائي:
تفعيل الآليات القانونية المنظمة للتجمعات السكنية الواقعة فوق أراضي الجموع بالمراكز الصاعدة، عبر تمليك أو تفويت البقع بشكل مباشر للمستغلين والحائزين الفعليين الجدد بأثمنة تفضيلية أو رمزية تراعي الطابع الاجتماعي للمستفيدين، مع اعتماد عقود التنازل كوثائق مساعدة تثبت أسبقية الحيازة والمعاملة.
الاعتبار الاجتماعي لوثائق التعامل التاريخية:
في إطار التدبير المرن لأراضي الجموع ذات الطابع العمراني، يمكن اعتماد العقود العرفية المبرمة تاريخياً كقرائن إثبات مشروطة بموافقة ذوي الحقوق الأصليين (أو ذوي حقوقهم) عبر محاضر رسمية مصححة الإمضاء، وذلك استناداً لمبدأ استقرار المعاملات.
إيجاد صيغ تنظيمية مؤقتة للتعمير:
منح رخص الاستثناء أو التسهيلات الإدارية المؤقتة بمركز رأس العين في حدود الضوابط الجاري بها العمل، لتمكين الراغبين في البناء القانوني من الحصول على تراخيصهم والربط بالشبكات الحيوية، لرفع الضرر الإنساني الواقع على العائلات إلى حين استكمال إجراءات التسوية النهائية لنقل الملكية.
ثقة راسخة في إرادة المتدخلين وإشراقة أمل جديدة
ومما لا شك فيه، أن المتتبعين والمواطنين على حد سواء لا يخالجهم أدنى شك في حرص السلطة المحلية برأس العين، والسلطة الإقليمية باليوسفية، وكافة المتدخلين والمعنيين بهذا الملف، على التفاعل الإيجابي والإبانة عن رغبة صادقة ومسؤولة لتجاوز هذا الإشكال العقاري. إن الوعي الإداري والمؤسساتي القائم بالمنطقة يشكل ضمانة حقيقية لإيجاد الصيغ الملائمة التي توازن بين صون الأملاك السلالية وحماية الاستقرار المجتمعي للأسر المتضررة التي تسعى للاندماج السليم في الضوابط التعميرية والقانونية.
نداء عاجل: الاستقرار خط أحمر
إن أصحاب التنازلات برأس العين ليسوا سوى مواطنين وضعوا ثقتهم في مستقبل هذه المنطقة، وبنوا أحلامهم الاستقرارية على بقع أرضية أدوا أثمانها كاملة ويريدون استغلالها وفق سيادة القانون. وإن ترك هذا الملف عالقاً يغذي باب المضاربات ويخلق احتقاناً اجتماعياً نحن في غنى تام عنه.
من هنا، فإن التدخل العاجل والسديد للسلطات الوصية بات فرضاً إدارياً وأخلاقياً لإنصاف هؤلاء المواطنين، وتمكينهم من تسوية وضعيتهم العقارية عبر إجراءات المسح والتصحيح القانوني، لتتحول جماعة رأس العين من بؤرة إشكاليات عقارية إلى ورش تنموي يعم فيه الأمان والاستقرار الجميع.





