اليوسفية : أكثر من 30 كلم نحو مركز سيدي شيكر لانتزاع وثيقة إدارية .. فأين هو شعار تقريب الإدارة من المواطن؟


في الوقت الذي ترتفع فيه الأصوات وتتلاحم التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى جعل الإدارة في خدمة المواطن، وتقريب المرافق العمومية من رعايا جلالة الملك، تظل مناطق شاسعة تعيش على وقع إكراهات تنموية وإدارية تعمق من جراح التهميش والهشاشة. ومن بين هذه النماذج الحية، تتصدر ساكنة الدواوير التابعة للمحيريگة بإقليم اليوسفية، واجهة المعاناة اليومية جراء فراغ إداري خانق ومسافات تنقل أنهكت جيوب وقدرات المواطنين.
تضم ملحقة المحيريقة عدداً هائلاً من دواوير المصابيح الطالعة ودواوير أخرى المتناثرة التي تشكل ما يزيد عن نصف الدوائر الإنتخابية، وهي رقعة جغرافية واسعة ذات كثافة ديموغرافية مهمة تتطلب مواكبة إدارية مستمرة. غير أن الواقع الميداني يترجمه غياب تام لخليفة قائد بعد إحالة الخليفة السابق على التقاعد، مما أدى إلى شلل شبه تام في تصريف مصالح الساكنة الإدارية واليومية، وجعل هذه المعلمة الإدارية تبدو كأطلال موصدة الأبواب أمام حاجيات المواطنين الملحة، كما يوثق ذلك “مكتب الحالة المدنية فرع المصابيح الطالعة بالجماعة الترابية سيدي شيكر” الذي يظل بدوره محكوماً بمحدودية التدخلات وغياب التأطير المباشر لسلطة القرب.
تتضاعف مأساة الساكنة باصطدامها بجدار البعد الجغرافي؛ إذ إن الحصول على أبسط وثيقة إدارية يتطلب التنقل إلى مركز سيدي شيكر الذي يبعد عن بعض الدواوير بأكثر من 30 كيلومتراً ذهاباً ومثلها إياباً. وأمام ضعف البنيات الطرقية وغياب وسائل التغطية النقلية الملائمة، ناهيك عن هشاشة الوضع المادي لأغلبية الأسر التي تعاني في صمت لتدبير أبسط مصاريف التنقل، تتحول الوثائق الإدارية إلى مغامرة مكلفة ومضنية.
ولا تتوقف معاناة المواطن عند حدود الإدارة الترابية، بل تمتد لتشمل الإدارة القضائية والأمنية، سيما ما يتعلق بالحصول على “شهادة السكنى” التي تتطلب التنقل إلى مصالح الدرك الملكي هناك. هذا الوضع يطرح أكثر من علامة استفهام حول دواعي غياب المبادرة من طرف القيادة الجهوية والإقليمية للدرك الملكي لاعتماد صيغ مرنة، كالتفكير في التنقل ولو مرة في الشهر لتسهيل حصول المواطن على شهادة السكنى بعين المكان، إعفاءً للشيوخ والنساء وشباب المنطقة من تكاليف ومشاق السفر المنهك إذا كنا فعلا نفكر في مصلحة هذا المواطن.
إزاء هذه الوضعية المزرية، ترفع ساكنة الدواوير المتضررة ملتمساً عاجلاً وحارقاً إلى السيد عامل الإقليم، قصد التدخل الشخصي والفوري لتعيين خليفة قائد هنا لسد هذا الفراغ الإداري، لاسيما وأن عدد من الخلفان يتواجدون بمختلف العمالات والمقاطعات والباشوات، فلماذا لا يتم تعيين واحد منهم ليخفف على هؤلاء السكان عناء التنقل ويقرب لهم الإدارة تماماً كما نادى صاحب الجلالة في خطابه بذلك.
فإن تعيين مسؤول ترابي بهذا النفوذ الحيوي لم يعد ترفاً إدارياً، بل هو ضرورة ملحة تمليها المصلحة العامة، وتفرزها فلسفة المفهوم الجديد للسلطة القائم على القرب والإنصات وتجاوز العوائق البيروقراطية، صوناً لكرامة ساكنة أثبتت دائماً وأبداً تشبثها بثوابت الوطن ومقدساته.




