اليوسفية: حين يصبح الوصول إلى المدرسة مغامرة محفوفة بالمعاناة


في العالم القروي المترامي الأطراف بإقليم اليوسفية، حيث ترتسم أحلام الطفولة البسيطة على سبورات المدارس العمومية، تبرز معضلة النقل المدرسي كجرح ينزف ببطء في جسد تكافؤ الفرص. فبين ثنايا دوار “الغوالم” التابع لجماعة الكنتور، تضيء براعم الوطن طموحها العلمي، لكنها تصطدم كل صباح بواقع مرير، قوامُه مسافات طويلة وموحشة تفصل بيوتهم عن مقاعد الدراسة، في غياب تام لوسائل نقل كفيلة بحفظ كرامتهم وضمان حقهم الدستوري في التعلم.
لا يبدأ يوم أطفال دوار “الغوالم” مع رنّات جرس المؤسسة، بل يبدأ مع خيوط الفجر الأولى، حيث يقطع تلاميذ المستوى الابتدائي ورفاقهم في باقي المستويات رحلة مضنية نحو “مدرسة دوار البكري”. مسافة تفوق أربعة كيلومترات كاملة، يقطعها الأطفال ذهاباً وإياباً على أقدامهم، غارقين في صراع مع وعورة المسالك، وقساوة المناخ، ومخاطر الخلاء، وكأن العلم يُنتزع انتزاعاً من بين أنياب التهميش.
هذه الرحلة اليومية الشاقة لم تعد مجرد مسير نحو المعرفة، بل تحولت إلى استنزاف مبكر لطاقات أطفال في زهور العمر، مما ينعكس سلباً وبشكل مقلق على تحصيلهم الدراسي، ويفتح الباب على مصراعيه أمام شبح “الهدر المدرسي” الذي تتبخر معه أحلام الأسر والعائلات.
لم تجد أمهات وآباء وأولياء أمور التلاميذ بدّاً من رفع صوتهم بنداءات استغاثة حضارية ومسؤولة، متوجهين بعريضة تحمل قلوباً ملؤها الأمل وتوقيعات مطبوعة بالصبر إلى السيد عامل إقليم اليوسفية. تعبير صادق وموثق من طرف عائلات المنطقة الغيورة على مستقبل أبنائها، تطالب بصوت واحد بتوفير أسطول للنقل المدرسي ينتشل الصغار من جحيم الغياب المتكرر والتعب المزمن.
فقد سجلت هذه الأسر بمرارة تزايد نسبة الغياب في صفوف التلامذة مع بواكير الموسم الدراسي الجديد، ليس عزوفاً عن طلب العلم، بل قسراً بفعل العجز البدني واللوجستيكي عن قطع المسافات الفاصلة بين الدار والمدرسة.
غير أن المثير للغضب والاستهجان، أن المسؤولية المباشرة عما يقع تقع على عاتق المجلس الجماعي للكنتور ورئيسه، الذي يكتفي بتقديم مبررات واهية مفادها أن سيارات النقل المدرسي معطلة وبها أعطاب! وهو ما يطرح علامات استفهام كبرى ومشروعة: لماذا لم يتم إصلاح أسطول النقل المدرسي طيلة فترات العطلة الصيفية؟ أليست الصيانة الاستباقية واجباً تدبيرياً أساسياً؟ إن هذا التعامل يكرس صورة واضحة من اللامبالاة المقلقة تجاه مستقبل الأبناء وغياب تام للحكامة المحلية.
إن معاناة أطفال دوار “الغوالم” بجماعة الكنتور تعيد طرح السؤال الجوهري حول عدالة المجالات الترابية، ومدى نزاهة السياسات المحلية في ردم الفوارق القروية. فالتنمية الحقيقية لا تقاس بالبُنى الإسمنتية وحدها، بقدر ما تقاس بمدى يسر وصول طفل قروي إلى قسم دراسي دافئ وآمن.
إن أنظار الآباء والأمهات اليوم معلقة ببريق أمل ينبعث من عمالة الإقليم، متطلعين إلى التفاتة حازمة وإنسانية من السيد العامل لفك عزبة التمدرس بالمنطقة، ومحاسبة كل المتسببين في تعطيل مصالح التلاميذ، وتوفير حافلات النقل المدرسي التي تضمن للمتعلمين حقهم في العبور نحو المستقبل، عابرين بذلك مسافة اليأس نحو آفاق أرحب من التنوير والازدهار.







